أمير بابكر عبدالله
في الرواية الأدبية لا يملك الحوار قيمة مستقلة
عن الحبكة، فكلما انفصل عنها تحول إلى خطاب وعظي يفقد وظيفته الجمالية. أما في
السياسة، وخصوصاً في الحروب الأهلية، فإن الصورة تبدو معكوسة إلى حد بعيد. فالحوار
بين الخصوم قد يكتسب قيمة في حد ذاته، حتى وإن لم يؤدِ مباشرة إلى اتفاق نهائي،
لأنه يحافظ على الحد الأدنى من قنوات الاتصال ويمنع انقطاع الخيوط الأخيرة التي
تربط أطراف الصراع. غير أن هذه الحقيقة لا ينبغي أن تتحول إلى وهم سياسي يجعل
الحوار غاية مستقلة، بينما تغيب الإرادة الحقيقية لصناعة السلام.
هذه المفارقة تبدو أكثر وضوحاً في السودان، حيث تحولت المنابر الإقليمية والدولية إلى مساحات يتكرر فيها الحديث عن الحوار، بينما تستمر الحرب في حصد الأرواح وتدمير الدولة. فالاجتماعات تتوالى، والبيانات تتكاثر، لكن الميدان لا يتغير إلا نحو مزيد من التصعيد، الأمر الذي يفرض سؤالاً جوهرياً ما إذا كان الحوار قد أصبح هدفاً استراتيجياً بديلاً عن إنهاء الحرب.
لا شك أن للحوار السياسي وظائف لا يمكن التقليل من أهميتها. فهو يوفر قناة دائمة للتواصل تمنع القطيعة الكاملة بين المتحاربين، ويعمل كصمام أمان لاستيعاب الصدمات وتخفيف ردود الفعل الانفعالية، كما يمنح الأطراف فرصة لإعادة تقييم مواقفها بعيداً عن ضغوط الميدان. كذلك يساعد الحوار على إدارة التناقضات بدلاً من تفجيرها، إذ يسمح لكل طرف بفهم الخطوط الحمراء للطرف الآخر، ويكرس الاعتراف الواقعي بوجوده بوصفه جزءاً من أي تسوية مستقبلية، حتى وإن ظل الخلاف قائماً.
لكن هذه الوظائف الإيجابية تفقد معناها عندما يتحول
الحوار إلى غاية قائمة بذاتها، أو إلى وسيلة لإدارة الأزمة بدلاً من حلها. ففي
كثير من النزاعات، يستخدم الحوار غطاءً لإعادة ترتيب الصفوف العسكرية، أو لكسب
الوقت، أو لتحسين المواقع التفاوضية، بينما تستمر العمليات القتالية بوتيرة أعلى،
بحيث أصبح استمرار الحوار، من دون تقدم سياسي حقيقي، جزءاً من المشكلة لا من الحل.
إن أخطر ما في المشهد السوداني اليوم ليس
استمرار الحرب وحده، بل تحول الحوار نفسه إلى بديل عن السلام، والمنابر الدولية
إلى أدوات لإدارة الأزمة لا لإنهائها. فالحوار لا يكتسب قيمته من مجرد انعقاده، وإنما
من قدرته على إنتاج مسار سياسي يوقف الحرب ويعيد بناء الدولة.
تقدم الأزمة السودانية نموذجاً واضحاً لهذا بعد
دخول الحرب مرحلة الانسداد الاستراتيجي، حيث بات كل طرف عسكري ينظر إلى الصراع
باعتباره معركة وجودية لا تقبل التسويات. الجيش السوداني يطرح تفكيك قوات الدعم
السريع، وخروجها من المدن، وتسليم أسلحتها، باعتبارها شروطاً مسبقة لأي عملية
تفاوضية، ويرى أن منحها أي شرعية سياسية أو عسكرية يمثل تهديداً مباشراً للدولة
ومؤسساتها.
في المقابل، تتمسك قوات الدعم السريع بمشروع
مختلف جذرياً يقوم على إعادة تأسيس الدولة وبناء جيش جديد بعقيدة جديدة تكون هي
نواته الأساسية، وترفض العودة إلى ما قبل اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023. ومن هذا
المنطلق، يصبح التفاوض بالنسبة إليها أداة لتكريس موازين القوى الجديدة، وليس
مدخلاً للتراجع عنها.
تزداد الأزمة تعقيداً لأن كلا الطرفين ما يزال
يراهن على إمكانية تحقيق انتصار عسكري، ولو بعد حين. فالجيش يعتقد أن التعبئة
العسكرية، والتفوق الجوي، والدعم الذي يتلقاه، يمكن أن يقود إلى استعادة السيطرة
الكاملة، بينما تراهن قوات الدعم السريع على حرب الاستنزاف، والسيطرة على مناطق
جديدة، وإطالة أمد المواجهة. وفي ظل هذا الإدراك المتفائل لدى الطرفين، لا تتشكل
القناعة الضرورية التي تدفع عادة نحو تقديم التنازلات السياسية المؤلمة.
إلى جانب ذلك، أسهم تعدد المبادرات والمنابر
الدولية والإقليمية في إطالة عمر الأزمة أكثر من تقريب نهايتها. فمنبر جدة،
والاتحاد الأفريقي، والإيقاد، ومؤتمرات باريس وبرلين وغيرها، جميعها وفرت مسارات
متوازية، لكنها لم تنجح في توحيد الجهود أو فرض رؤية مشتركة. وأصبح بإمكان الأطراف
الانتقال بين هذه المنابر، واستخدامها للمناورة السياسية وشراء الوقت، بينما يستمر
تدفق السلاح والدعم الخارجي الذي يغذي استمرار الحرب.
ولا تبدو الجبهة المدنية في وضع أفضل. فقد كان
من المفترض أن تشكل القوى المدنية كتلة ضغط مستقلة تدفع الأطراف العسكرية نحو
التسوية، إلا أنها دخلت في دوامة من الانقسامات التنظيمية والسياسية. فالتحالفات
التي تشكلت بعد الحرب سرعان ما تعرضت للتشظي، وظهرت كيانات جديدة تحمل رؤى مختلفة
حول كيفية التعامل مع أطراف الصراع، بل إن الخلاف امتد إلى طبيعة الدولة نفسها
وشكل المرحلة الانتقالية.
كما وقعت القوى المدنية في فخ الاستقطاب
العسكري، فانقسمت بين من يرى في الجيش المؤسسة الوطنية التي ينبغي دعمها للحفاظ
على وحدة الدولة، وبين من اتُّهم بإظهار مرونة مفرطة تجاه قوات الدعم السريع،
الأمر الذي أفقد قطاعات واسعة من المواطنين الثقة في استقلاليتها وقدرتها على
تمثيل تطلعاتهم بعيداً عن أجندات أطراف الحرب.
يضاف إلى ذلك غياب رؤية موحدة للحل السياسي.
فبينما تدعو بعض القوى إلى وقف الحرب فوراً والانخراط في تسوية سياسية عاجلة، ترى
قوى أخرى أن الأزمة أعمق من مجرد وقف إطلاق النار، وأنها تتطلب إعادة تأسيس الدولة
ومعالجة جذور التهميش التاريخي قبل أي اتفاق سياسي. هذا التباين جعل كل دعوة
للحوار المدني عرضة للتأجيل والاشتراطات والانسحابات المتبادلة.
أما العامل الأكثر تأثيراً فهو انتقال معظم
النشاط المدني إلى الخارج نتيجة النزوح الواسع والظروف الأمنية، وهو ما أضعف قدرة
هذه القوى على ممارسة ضغط جماهيري حقيقي داخل السودان. وأصبحت المؤتمرات والبيانات
الصادرة من عواصم المنفى تبدو، في نظر كثير من السودانيين، بعيدة عن واقع الحياة
اليومية التي تتسم بالجوع والنزوح والخوف المستمر.
وفي المقابل، لم ينجح المجتمع الدولي في تجاوز
حدود إدارة الأزمة إلى صناعة الحل. فالتردد في ممارسة ضغوط حاسمة لفرض وقف إطلاق
النار، أو ضمان وصول المساعدات الإنسانية، جعل السودان يتحول إلى أكبر أزمة
إنسانية وأزمة حماية في العالم. وأصبح الجمود الدبلوماسي يترجم يومياً إلى معاناة
إنسانية متفاقمة.
فالمجاعة تتوسع في عدة مناطق، ويواجه ملايين
السودانيين مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، بينما يُستخدم الغذاء
والمساعدات الإنسانية أحياناً كأدوات ضغط في الحرب. وفي الوقت نفسه، أدت المعارك
المستمرة إلى نزوح وتشريد أكثر من ثلث السكان، يعيش معظمهم في ظروف بالغة القسوة
داخل السودان أو في دول الجوار التي تواجه بدورها ضغوطاً اقتصادية وإنسانية هائلة.
كما تعرض النظام الصحي لانهيار شبه كامل في
مناطق النزاع، مع خروج غالبية المستشفيات عن الخدمة، وانتشار الأوبئة مثل الكوليرا
والملاريا وحمى الضنك نتيجة انهيار شبكات المياه والصرف الصحي، في وقت تعاني فيه
خطط الاستجابة الإنسانية من فجوة تمويلية كبيرة أجبرت المنظمات الدولية على تقليص
برامجها الغذائية والطبية.
يترافق ذلك مع استمرار الانتهاكات الجسيمة بحق
المدنيين، من قتل خارج القانون، وعنف جنسي، وتجنيد للأطفال، ونهب واسع للممتلكات،
فضلاً عن استهداف المتطوعين والعاملين في غرف الطوارئ الذين أصبحوا يمثلون شريان
الحياة الأخير للمجتمعات المحلية.
المطلوب ليس مزيداً من المؤتمرات، ولا مزيداً
من البيانات، وإنما إطلاق عملية سياسية شاملة تبدأ بمؤتمر تحضيري يضم جميع الأطراف
أو من يمثلهم، ويضع أسساً واضحة لوقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وضمان وصول
المساعدات الإنسانية، ثم الانتقال إلى حوار وطني يعالج جذور الأزمة السودانية لا
مظاهرها فقط.
فإذا استمر المجتمع الدولي في الاكتفاء بإدارة
الصراع، واستمرت الأطراف السودانية في استخدام الحوار وسيلة للمناورة، فإن السودان
سيظل يدور في الحلقة نفسها، حيث يتحول الحوار إلى هدف استراتيجي، بينما يبقى
السلام مؤجلاً إلى أجل غير معلوم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق