أمير بابكر عبد الله
على الرغم من وداعتها وبساطتها، وهي تستلقي
وسط تلالاها الرملية التي زينتها عروساً وسط بوادي كردفان منذ أمد طويل، إلا أن
مدينة الأُبَيِّض عاشت عبر تاريخها قسوة الحرب والاقتتال والحصار اكثر مرة. وليس
بغريب على المدنية وسكانها التي وضعها قدرها الجغرافي أن تكون الرابط بين غرب
السودان وشرقه، أن تكون مسرحاً للصراعات الكبرى التي شهدها السودان.
شهدت المنطقة قبل الغزو التركي المصري
للسودان معارك مستمرة بين السلطنات والممالك التي كانت سائدة. ففي مرحلة كانت
الحروب بين مملكة المسبعات التي أنشئت في كردفان ومملكة سنار التي أرادت التوسع
غرباً والسيطرة على الموارد وطرق التجارة. وانتقلت في مرحلة غلى أخرى إلى أطماع
سلطنة دارفور في أراضي كردفان في ذلك الوقتن وتمكنت من السيطرة عليها.
انتقل الصراع بعد دخول جيوش التركية السودان وتوسعهم غرباً إلى أن سيطروا على مدينة بارا شمال مدينة الأبيض ولكنهم اتخذوا من الأخيرة مركزاً عسكرياً وإدارياً لهم.
الحصار الأول
اعتبر قادة الثورة المهدية، التي انطلقت ضد
الحكم التركي، مدينة الأبيض هدفاً استراتيجياً لهم في طريق تقدمهم العسكري لتحرير
كافة أراضي السودان، حيث كانت المدينة تعتبر أقوى القلاع المحصنة عسكرياً في غرب
السودان. وبعد قشل محاولاتهم المتكررة في اقتحام تلك القلاع والحصون والخنادق حول
المدنية، إلى جانب السلاح والقوة النارية للأتراك، قرر المهدي استخدام تكتيك
الحصار العسكري والاقتصادي لإسقاط المدينة بدلاً عن الهجوم المباشر.
أحاطت قوات المهدي المدينة بلآلاف الجنود
لقرابة الخمشة أشهر، وقطعت عنها كافة خطوط الأمداد ومنعت دخول المواد الغذائية
وخروج أي فرد إلى خارج المدينة. كان الغرض هو تجويع السكان بالداخل حتى تستلم
قيادة القوات التركية، وهو ما حدث بالفعل إذ نفدت المؤن والمواد الغذائية التي
كانت بالمخازن مع نهاية الشهر الثاني للحصار، وأصبح الوضع الإنساني مزرياً حيث
اضطر المواطنون والجنود إلى ذبح البغال والخيول والحمير والجمال ولجأوا إلى استخدام
أوراق الشجر.
عند بلوغ نقطة اللاعودة وإزاء ذلك الوضع، قرر
حاكم المدينة محمد سعيد باشا وقادته العسكريين الاستسلام غير المشروط، وأصبحت
الأبيض تحت سيطرة المهدي وجيوشه واتخذها عاصمة مؤقتة له وهي يعد العدة للزحف نحو
الخرطوم. وعندما حاول الأتراك استعادة المدينة بقيادة "هكس باشا" نصبت
قوات المهدي كميناً لها خارج المدينة في منطقة شيكان، واستطاعت أن تخترق ما عرف
بـ"تكتيك الصندوق العسكري" وهزيمة القوات التركية والتي مثلت بداية
انهيار الحكم التركي في السودان. وظلت المدينة خاضعة للدولة المهدية إلى أن سيطر
عليها الانجليز بعد غزو السودان وأقاموا فيها الفرقة الخامسة مشاة
"الهجانة" أشهر الفرق العسكرية في الجيش السوداني.
ما بين الأمس واليوم
استهدفت قوات الدعم السريع مدينة الأبيض منذ
الشهور الأولى للحرب، ولكنها واجهت صعوبات كبيرة في السيطرة عليها جتى الآن. ولجأت
إلى تطبيق خصار بري بقطع طرق الإمداد عن المدينة وعن قيادة الفرقة العسكرية في
المدينة وألويتها المنتشرة في مناطق مختلفة من شمال كردفان. وأصبحت المدينة في
أثناء الحرب الدائرة بين أطرافها ملاذاً لمئات الآلاف من النازحين من المناطق
الأخرى لأنها أكثر استقراراً، لكنها نجحت في خلق أزمة إنسانية لصعوبة وصول المواد
الغذائية إلى المدينة في بعض الأحيان.
وعلى عكس ما حدث للقوات التركية في المدينة
قبل أكثر من قرن ونصف، فشلت قوات الدعم السريع في فرض عصار شامل على المدينة،
واتخذت من مدن سيطرت عليها حولها، مثل بارا، نقاط للهجوم المتقطع. وشنت القوات عدة
هجمات في أزمنة متفرقة منذ اندلاع الحرب على المدينة واستهدفتها بالمدفعية الثقيلة
وبالطائرات المسيرة لزعزعة الاستقرار وحمل المواطنين على الخروج منها.
حرب المسيرات
شهد العام الجاري تحولاً تكتيكياً في استخدام
الأسلحة النوعية في التعامل مع الوضع في كردفان عموماً، إذ اتجه الطرفان إلى
استخدام الطائرات المسيرة لاستهداف المواقع العسكرية والمدنية في مناطق سيطرة كل
منهما. وشهدت الأبيض في الأسبوع الأول من شهر يونيو الجاري تصعيداً لافتاً في
استخدام الطائرات المسيرة والتي استهدافت أحياء سكنية ومحطات وقود مما اوقع خسائر
فادحة وسط المدنيين.
ففي الأسبوع الأخير كثفت
قوات الدعم السريع من استخدام أسراب الطائرات المسيّرة الانقضاضية والاستطلاعية
لضرب مراكز الإمداد العسكري، مستودعات الوقود، والمواقع اللوجستية للجيش داخل
الأحياء، بينما يرصد الجيش السوداني ويضرب الأرتال العسكرية والتعزيزات للدعم
السريع في المناطق المحيطة بالمدينة "مثل سودري والرهد" باستخدام طيرانه
المسيّر لإبعاد خطر الهجمات البرية.
لم يعد الحصار الحالي يقتل صمتاً بالجوع كما في عهد المهدية، بل أصبح
الخطر يأتي من السماء؛ حيث يتسبب القصف المدفعي وبالمسيّرات في سقوط ضحايا وسط
المدنيين بالأحياء السكنية والأسواق التاريخية. ورصدت تقارير المنظمات الحقوقية تعرض منشآت مدنية ومحطات وقود، بل
وحتى تجمعات مدنية للضربات الجوية بمسيرات انقضاضية، مما أسفر عن تدمير المنازل
على رؤوس ساكنيها.
وبحسب كلمة للمفوض
بحقوق الإنسان للأمم المتحدة، فولكر ترك، أمام مجلس حقوق الإنسان بجنيف هذا
الأسبوع، أنهم المجلس وثقتوا مقتل أكثر من ألف مدني بالطائرات المسيرة منذ مطلع
العام وحتى مايو.
على
العكس من حصار المهدي لمدينة الأبيض الذي تضاءل فيه عدد السكان نتيجة الهروب
والموت، تحولت الأبيض حالياً إلى ملاذ آمن ومكتظ يضم قرابة مليون نازح فروا من
مناطق القتال بدارفور وبقية أجزاء كردفان، مما يضاعف الكارثة الإنسانية عند حدوث
أي اختراق أمني، خاصة بعد تجارب ماثلة للعيان في مدن مثل الفاشر التي شهدت
انتهاكات موثقة لحقوق الإنسان وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق