من كل الدول المنتجة.. سوق السودان الأكثر رواجاً لتجارة السلاح

 أمير بابكر عبد الله

"إن هناك أكثر من 550 مليون سلاح ناري في جميع أنحاء العالم مما يعني سلاح لكل شخص على الكوكب. السؤال الوحيد هناك مئات الناس يقتلون في العالم .. أتسأل بأسلحة من يُقتلون ثم أقول لنفسي لماذا لا يُقتلون بأسلحتي؟" هذه الجملة التي يفتتح بها بطل فيلم "لورد أوف وور" أو "ملك الحرب" الذي انتج في العام 2005 وتصدر بطولته الممثل الأمريكي نيكولاس كيج.

عندما انتج هذا الفيلم كانت الحروب منتشرة في كل قارات العالم، عقب انهيار الاتحاد السوفيتي وفقدان السيطرة على مخزونه الضخم من الأسلحة، ومثل ذلك الوضع بيئة مثالية لسماسرة وتجار السلاح إلى جانب الأسلحة المنافسة التي تنتجها بقية الدول الكبرى.

شهد السودان خلال تاريخه الحديث حروب أهلية طويلة الأمد، خاصة في فترة قوة القطبين أثناء الحرب الباردة. كان مفهوماً أثناء تلك الفترة أن يتوزع نوع التسليح بين الأطراف المتنازعة على منتجات القطبين والدول التي تنتمي إلى كل منهما. فكان تسليح الجيش السوداني عبر تاريخ طويل شرقياً، حتى في ظل تقلبات النظم السياسية كان عظم التسليح روسياً. وكان كذلك لدى الأطراف التي تتمرد على الدولة مع ظهور بعض الأسلحة الغربية بدرجات متفاوتة.

ما حدث في هذه الحرب الدائرة الآن، هو تحول السودان إلى سوق مغري ومربح لتجارة السلاح. ورغم إدعاء العالم كله، والدول التي تعلن عن سعيها المستمر من أجل إيقاف الحرب والعمل على إحلال السلام، إلا أن واقع الحال يكشف مدى تحكم تجارة السلاح في تعذية استمرار الصراع بين الأطراف السودانية.

من مفارقات حرب السودان أن ينتبه الكاتب، أكشات موهان، هندي الجنسية، في مقال له نشر في "ذي برينت"، إلى أن طائرات مسيرة مصدرها مصانع دولة واحدة تتقاتل في سماء السودان. إذ أشار، في مقاله الموسوم " هل تتقاتل المسيرات التركية في سماء السودان؟"، إلى أن كلا الطرفين المتقاتلين يمتلكان نفس طراز الطائرات المسيرة، مشيراً إلى أن الدفاعات الجوية السودانية أسقطت طائرة مسيرة قتالية تركية الصنع باستخدام طائرة مسيرة مماثلة من أسطولها، فيما يُعرف بعملية إسقاط جوي بين طائرتين مسيرتين.

يفسر الخبير في القرن الأفريقي، خالد محمد طه، ظاهرة امتلاك الأطراف المتحاربة في السودان لأنواع متشابهة من الأسلحة من خلال مجموعة عوامل متداخلة. وقال لـ"ألترا صوت" إن التشابه في التسليح خلال مراحل الحرب الأولى يعد أمراً طبيعياً بحكم أن القوات المتحاربة خرجت من بنية أمنية وعسكرية واحدة، وتشاركت في مخازن السلاح وشبكات الإمداد الرسمية نفسها. لكن استمرار ظهور أسلحة متطابقة لدى الأطراف المختلفة بعد مراحل متقدمة من اندلاع الحرب يطرح أسئلة أكثر تعقيداً.

يعزي طه الأمر إلى عدة فرضيات أولها أن شبكات السمسرة وتجارة السلاح الدولية تلعب دوراً مهماً، فمعظم الوسطاء لا تحركهم الاعتبارات السياسية بقدر ما تحركهم الأرباح، ولذلك قد يبيعون السلاح بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى أطراف متعارضة عبر وسطاء محليين وإقليميين، وفي النزاعات الممتدة تصبح الحرب نفسها سوقاً مربحة تستقطب تجار السلاح وشبكات التهريب.

ثانياً، تعاني حركة السلاح في مناطق النزاع من ضعف الرقابة على سلاسل النقل والتتبع، فالأسلحة قد تنتقل بين دول عدة، أو تُحوَّل من مشترٍ أصلي إلى طرف آخر دون علم المنتج أو حتى الدولة المصدرة أحياناً. كما أن الاستيلاء على المخازن العسكرية والغنائم الميدانية يعيد تدوير الأسلحة بين الأطراف المتحاربة بصورة مستمرة.

ثالثاً، لا يمكن استبعاد البعد الاقتصادي المرتبط بالشركات المنتجة للسلاح. فبعض المنتجين قد لا يهتمون كثيراً بالوجهة النهائية للسلاح طالما تتم الصفقات عبر قنوات قانونية أو عبر أطراف وسيطة، مما يجعل مناطق النزاعات المستمرة أسواقاً نشطة للمنتجات العسكرية.

أما الفرضية الرابعة، المتعلقة بوجود تواطؤ أو توجه غير معلن لإبقاء السودان في حالة "توازن ضعف" فهي تبقى الأكثر حساسية والأصعب إثباتاً. ومع ذلك، فإن التاريخ الدولي يقدم أمثلة على قوى إقليمية ودولية استفادت من إطالة أمد النزاعات ومنع الحسم العسكري لأي طرف، حفاظاً على مصالح جيوسياسية أو اقتصادية، لذلك لا يمكن استبعاد هذه الفرضية بالكامل، لكن التعامل معها يتطلب أدلة ملموسة تتجاوز مستوى الاستنتاج السياسي.

ويرى، خالد محمد طه، أن التفسير الأكثر ترجيحاً هو تفاعل العوامل الأربعة معاً بدرجات متفاوتة، تجارة السلاح والسمسرة، وضعف التتبع والرقابة، والمصالح الاقتصادية المرتبطة بسوق السلاح، ثم التنافسات الإقليمية والدولية التي تجد في استمرار حالة الاستنزاف المتبادل وسيلة لتحقيق مصالحها دون الانخراط المباشر في الصراع. وقال إن هذا التداخل هو ما يجعل مشهد التسليح في السودان شديد التعقيد وصعب التفسير بعامل واحد فقط.

أوروبا على رأس القائمة

تشير كثير من التقارير الإعلامية إلى ظهور أسلحة أوربية الصنع، ومن دول منخرطة في مبادرات حل الأزمة السودانية، في حرب السودان. وبحسب مواقع أوربية مثل "ريبورت ماينز" فإن أسلحة من إنتاج شركة "هيكلر آند كوخ" الألمانية ظهرت لدى قوات الدعم السريع، ويقول خبير الأسلحة مايك لويس: "من الواضح أن القوات في السودان تتلقى إمدادات مُستمرة من المعدات، جوًا وبرًا".ولويس الذي أجرى سابقًا أبحاثا عن السودان لصالح الأمم المتحدة، يعتبر أن "كميات كبيرة من الأسلحة والذخيرة والمركبات العسكرية وغيرها دخلت السودان".

الباحث في شؤون النزاعات في المركز الدولي لدراسات النزاعات في بون  (BICC)، ماكس موتشلر، يري أنه من الملحوظ عموما في العديد من الحروب الأهلية في القارة الأفريقية "أن الأسلحة تنتقل من منطقة نزاع إلى أخرى". وينطبق هذا أيضا على السودان، سواء بالنسبة للقوات الحكومية أو ميليشيات الدعم السريع المتمردة. علاوة على ذلك، تم تصدير قاذفات قنابل G36 إلى عدة دول خارج أوروبا.

وبحسب منصة "دوتش فيلا"، عُثر على تكنولوجيا أوروبية على متن المركبات التي وُجدت في السودان وداخلها نظام دفاع من فرنسا ومحرك مُصنّع خصيصًا في إنجلترا. وقادت التحقيقات التي أجراها موقع "ريبورت ماينز" إلى شركة ألمانية تُدعى "ويباستو"، وهي شركة مُصنّعة لتقنيات التدفئة وتكييف الهواء، وقد سبق لها تقديم حلول للتحكم في مشاكل المناخ. وأوضحت الشركة أن سياستها العامة في التصدير هي إبرام عقود التوريد بشرط الالتزام الصارم بحظر الأسلحة المعمول به من قِبل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والدولة المُصدّرة المعنية.

سبق لصحيفة الغارديان البريطانية نشر تقرير أعده مارك تاونسند، قال فيه إن أسلحة بريطانية وُجدت لدى قوات الدعم السريع في السودان. وعُثر على الأسلحة البريطانية في ساحات المعارك بعد استخدامها من قِبل االقوات المتهمة بارتكاب جرائم حرب وتهجير للمدنيين وإبادة. وتم العثور على أنظمة استهداف أسلحة صغيرة بريطانية الصنع ومحركات بريطانية الصنع لناقلات جند مدرعة في مواقع قتالية في السودان.

ويشير رئيس تحرير "أفريقيا في صراع" وعضو في الأممية الرابعة في فرنسا، بول مارسيال، في مقال له إلى أن نظام أسلحة فرنسي متطور يُستخدم في الصراع بالسودان، مما يكشف انتهاكات الحكومة الفرنسية لاتفاقيات بيع الأسلحة. ومن بين أسلحتها التي استخدمتها قوات الدعم السريع بحسب مارسيال، نظام غاليكس، الذي تنتجه شركتان فرنسيتان هما لاكروا ديفانس وكي إن دي إس فرانس.

إيران.. توريد وتصنيع

لم تكن إيران منذ عهد حكم الرئيس البشير بعيدة عن سوق السلاح في السودان، بل كان مصنع اليرموك في قلب الخرطوم ينتج من الأسلحة ما يكفي لتصديره لدول الجوار، وهو المصنع الذي استهدفته إسرائيل في أكتوبر 2012.

منبر الدفاع الأفريقي يشير إلى أن كلا الجانبين في الصراع الدائر في السودان سلحا مقاتليهما بصواريخ إيرانية مضادة للدبابات. ويقول المنبر إن المصدر الدقيق لنظام الصواريخ الموجهة المضادة للدبابات من طراز "الصاعقة" لا يزال غير واضح، فقد كانت هيئة التصنيع الحربي المملوكة للدولة في السودان تصنِّعها لعدة سنوات، ولهذا يتكهَّن بعض المحللين أن قوات الدعم السريع غنمتها من القواعد العسكرية التي استولت عليها.

واستخدم الجيش المسيَّرات التي حصل عليها من إيران في استعادة العاصمة الكبرى التي تضم ثلاث مدن، وهي أم درمان والخرطوم ومدينة الخرطوم بحري الصناعية. وقد ساعد الهجوم بمسيَّرات "مهاجر 6" الجيش السوداني على استعادة مناطق عديدة بعد أن طرد مقاتلي الدعم السريع من مناطق رئيسية.

 تنص المادة 11 من معاهدة تجارة الأسلحة على شهادة المستخدم النهائي، لضمان عدم وصول الأسلحة المباعة لدولة ما إلى أيدي دولة أخرى. ويتعزز هذا الإجراء الوقائي بالموقف الموحد للاتحاد الأوروبي، الذي يدعو إلى مبدأ الحيطة والحذر تجاه الدول التي لا تلتزم بشهادة المستخدم النهائي.

ويبقى السلاح الأكثر خطورة وحسماً في الحروب الأخيرة وهو الطائرات المسيرة. وعلى الرغم من وجود أنظمة رقابة على تصدير التكنولوجيا العسكرية والصواريخ والطائرات غير المأهولة على المستوى الدولي، التي تهدف إلى الحد من انتشار أنظمة الطائرات القادرة على حمل حمولات كبيرة لمسافات بعيدة، وأن دولاً مثل الولايات المتحدة والصين وتركيا تفرض قواعد خاصة على تصدير بعض أنواع المسيّرات وتقنياتها، إلا أن وهنالك عروض بيع منظومات كاملة للدول التي لديها القدرات المالية. و أظهرت الحروب الأخيرة، الحرب الروسية الأوكرانية، حروب غزة ولبنان، وآخرها الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران مدى الإستخدام الواسع لقدرات الطائرات المسيّرة في الإستطلاع والإغتيالات والعمليات الهجومية والدفاعية، مما سيقود إلى توسع مبيعات الطائرات المسيّرة في كل أسواق العالم المتعطشة، ودون قيود حقيقية  للأسلحة ذات التكلفة الرخيصة والقدرات العمليانية الواسعة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق