أحداث كاودا.. سلطان القبيلة وهشاشة بنية القوى المدنية والحركات المسلحة في السودان

 أمير بابكر عبد الله

خلص ارنستو تشي جيفارا في كتابه "حرب العصابات"، وهو يسرد تجربة الثورة الكوبية في التعامل مع المجتمعات المحلية، إلى أن المقاتل في حرب العصابات هو "جراح اجتماعي" يعيش داخل الجسد "المجتمع"، وإذا لم يحترم هذا الجسد وقوانينه الحيوية، فإن الجسد سيلفظه ويموت الاثنان معاً. وكان يرى أن أي محاولة لتغيير معتقدات المجتمع، أو الاستخفاف بعاداته وتقاليده، أو صدم بنيته الدينية والاجتماعية بشكل مفاجئ، ستؤدي فوراً إلى نفور المجتمع.

هذا ما أوضحته الأحداث الجارية في منطقة كاودا بجبال النوبة بجنوب كردفان، والتي كشفت عن مدى تجذره سلطان القبيلة في البنية الفكرية والسياسية ووسط القوى والمدنية في السودان وتلك التي تحمل السلاح لتحقيق أهداف مطلبية وسياسية. وهو في حقيقة الأمر ليس بالاكتشاف الجديد، وإنما ظل يتجلى وأحياناً يتوارى خلف ممارساتها الفعلية في الواقع متجاوزاً تلك الدساتير والرؤى والمباديء التي تزين مؤتمراتها ومخرجات اجتماعاتها.

سيطرة روح القبيلة

نتيجة لتقاطع صراعات على الأرض والحدود، إلى جانب خلافات سياسية داخل بنية الحركة الشعبية لتحرير السودان –شمال جناح عبد العزيز الحلو، التي تسيطر على منطقة مناطق واسعة بإقليم جنوب كردفان، شهدت منطقة كاودا، المعقل التاريخي والسياسي الحصين للحركة، تطورات أمنية وعسكرية متسارعة، بخروج الأوضاع عن السيطرة واندلاع مواجهات مسلحة أدت مؤخراً إلى سيطرة مجموعة من أبناء قبيلة الأطورو، التي تعمل ضمن الجيش الشعبي، على أجزاء واسعة من المدينة وطرد الإدارة المدنية التابعة للحركة.

تقول الرواية أن الشرارة التي أشعلت فتيل الخلافات، هو قرار اتخذته قيادة الحركة الشعبية بارسيم الحدود بين قبيلتي الأطورو والشوايا، من اجل حل الأزمة القديمة بين القبيلتين حول ملكية الأرض في المناطق المحيطة بكاودا. وكان موقف قبيلة الأطورو رافضاً لأي ترسيم لحدود تلك المنطقة باعتبار أن ملكيتها تعود إليهم أصلاً.

أرجع عضو الحركة الشعبية شمال، مجدي كودي، أصل النزاع إلى الموقف الذي تبنّته قبيلة أطور خلال مؤتمرها، حيث رفضت مبدأ ترسيم الحدود القبلية. وقد اعتبرت قيادة الحركة الشعبية هذا الموقف تحدياً لسياساتها وتوجّهاتها، خاصة في ظل الخلافات المرتبطة بالموارد والنفوذ.

وقال كودي لـ"ألترا صوت" إن الحركة الشعبية شرعت، عقب المؤتمر، في تنفيذ مشروع ترسيم الحدود بين القبائل، لكنها بدأت بقبيلة أطورو رغم رفضها المشاركة في العملية، بدلاً من القبائل الأخرى التي وافقت على الترسيم وهي 57 قبيلة. وأشار إلى أن الحركة أجرت اتصالات واجتماعات مع القبائل المجاورة، من بينها الشواية وتيرة وليرا والأبول، بهدف المضي في تنفيذ المشروع.

ويرى كودي أن اقتطاع أجزاء واسعة من أراضي قبيلة أطورو بواسطة اللجنة التي شرعت في تنفيذ الترسيم، ورد أبناء القبيلة الذين اعتبروا الخطوة استهدافاً لهم، بنزع علامات الترسيم، مما أدى إلى تصاعد وتيرة الأحداث. ويضيف بأن الأمر تطور بعد هجوم للجيش الشعبي على مناطق القبيلة واندلاع مواجهات مسلحة بين الطرفين قبل أن تتدخل بعض القيادات العسكرية لاحتواء الموقف مؤقتاً.

لاحقاً، شُكّلت لجنة تحقيق في الأحداث، إلا أن عدداً من ضباط القبيلة رفضوا المثول أمامها بحجة أن بعض أعضائها كانوا جزءاً من الجهات التي خططت للهجوم أو شاركت فيه. وتمسكت قيادة الجيش الشعبي باللجنة، معتبرة رفض التعاون معها نوعاً من التمرد.

ولا يزال النزاع، بحسب الرواية، مستمراً حتى اليوم، مخلفاً خسائر بشرية ومادية كبيرة، وسط اتهامات بوقوع انتهاكات واسعة ضد المدنيين وتزايد المخاوف من تفاقم الصراع.

هشاشة البنية السياسية والعسكرية

من أسباب زيادة الاحتقان بين قبيلة اطورو، التي تمثل أحد أهم روافد الجيش الشعبي القبلية، هو الاتفاق السياسي بين الحركة وقوات الدعم السريع، وفقاً لتقارير مرصد رصد النزاعات، حيث يتخوف أبناء المنطقة من هذا التحالف، وتحديداً من تغلغل قوات الدعم السريع في مناطقهم، وتنامي الأنشطة المرتبطة بتعدين الذهب وعمليات التجنيد داخل أراضي أطورو، مما خلق فجوة ثقة كبيرة بين الحاضنة الاجتماعية وقيادة الحركة.

ولعل من أهم أسباب ضعف تأثير القوى المدنية واقتصار دورها في كثير من الأحيان على المجتمعات المدينية، هو تجذر القبيلة ونظامها الاجتماعي على مناحي الحياة في السودان، وقدرتها على تجاوز أطروحات القوى المدنية بفرض رؤها لما تمتلكة من قوة وتأثير اجتماعي على الأرض.

ويظهر ذلك، تاريخياً، وبصورة أوضح في البنية التنظيمية للحركات المسلحة، سواء المتمردة على الدولة أو تلك التي تصطف مع المؤسسة العسكرية الرسمية. فتاريخ الحركة الشعبية، باعتبارها الأكبر قبل انفصال جنوب السودان وإعلان دولته، منذ تأسيسها، والانقسامات التي شهدتها والتحالفات التي أنشأتها كلها كانت قائمة على التوازنات القبلية ولا زالت وليس على المباديء الفكرية والمنطلقات السياسية.

وتشير العديد من الدراسات إلى أن القبيلة أسهمت في تحويل كثير من الأحزاب من تنظيمات سياسية ذات رؤى وبرامج إلى كيانات تعتمد على الزعامات التقليدية والنفوذ الاجتماعي للقيادات والتعبئة على أساس الانتماء لا القناعة. ونتيجة لذلك، تراجعت النقاشات الفكرية حول قضايا الحكم والاقتصاد والتنمية، لصالح خطاب تعبوي هوياتي.

وأدى تجذر سلطان القبلية إلى ظهور أحزاب وحركات سياسية ذات طابع جهوي أو إثني. وشهدت العديد من الأحزاب، حتى التي تتبنى أطروحات إيديولوجية علمانية أو دينية العديد من الانقسامات على أسس اجتماعية، كما أدى صعوبة بناء تحالفات وطنية مستقرة وهو ما انعكس سلبًا على استقرار العملية السياسية.

يقول الكاتب، السر السيد، لـ"ألترا صوت" إن المجتمعات الإنسانية لا تخضع لمسار واحد من التطور، بل تحكم كل مجتمع ظروفه الخاصة وقوانينه الاجتماعية والتاريخية. وفي هذا السياق، تُعد القبيلة مكوّناً اجتماعياً أصيلاً في السودان، فهي موجودة بوصفها حقيقة اجتماعية سابقة لأي توظيف سياسي لها، سواء كان هذا التوظيف إيجابياً أو سلبياً، أو حتى في حال غيابه تماماً.

ويرى السيد أن هيمنة البنية القبلية أو حضورها في المجال العام ينبغي أن يُدرس في ضوء الأفكار والمفاهيم التي تغذيها وتعيد إنتاجها. وافترض أن هذه الأفكار غالباً ما تكون ذات طابع حديث وليست نابعة من البنية القبلية التقليدية نفسها. فعندما يُطرح خطاب «المركز والهامش»، أو تُناقش المظالم التي تعرضت لها مجتمعات بعينها تتكون من قبائل مختلفة، فإن هذه القضايا تقدم في إطار مفاهيم سياسية حديثة تمنح الانتماءات القبلية بعداً سياسياً جديداً.

ويشير إلى أن حضور القبيلة في المجال السياسي لا يتم بالضرورة عبر منظومتها التقليدية أو مفاهيمها الخاصة، وإنما من خلال الرؤى والخطابات التي تنتجها النخب السياسية. "فهذه النخب، وبعد أن عجزت الأحزاب الحديثة عن التعبير عن تطلعاتها أو تحقيق أهدافها، لجأت إلى القبيلة بوصفها إطاراً للتعبئة والحشد السياسي".

وقال إن الاحتماء بالقبيلة أو التحدث باسمها لا يعني بالضرورة خدمة مصالحها المباشرة، بقدر ما قد يؤدي في النهاية إلى خدمة مصالح فئات ونخب جديدة، غالباً ما ترتبط بمراكز النفوذ الاقتصادي والسياسي، سواء على المستوى المحلي أو الخارجي، عبر روابط مباشرة أو من خلال الانتماءات الأيديولوجية.

واتفق مع الرأي الذي يذهب إلى أن هذه الظاهرة تبدو أكثر وضوحاً في الحركات المسلحة، التي سعت في كثير من الأحيان إلى بناء مشاريعها السياسية والعسكرية بالاستناد إلى قواعد قبلية واجتماعية محددة، الأمر الذي جعل الانتماء القبلي أحد العناصر المؤثرة في تشكيل التحالفات والصراعات داخل هذه الحركات.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق