أمير بابكر عبد الله
ارتد صدى الاتهامات التي أطلقتها حكومة أبي
أحمد ، رداً على اتهامات السودان عقب استهداف الطائرات المسيرة لمطار الخرطوم،
سريعاً إلى الداخل الأثيوبي. إذ لم تنتظر جبهة تحرير شعب تيقراي، التي شملتها
تصريحات الحكومة الفدرالية الأثيوبية بالقتال إلى جانب الجيش السوداني في حربه
الداخلية، طويلاً في الرد عليها ببيان ساخن.
ففي ردها على ما ورد من تصريحات في المؤتمر الصحفي الذي عقدته الحكومة السودانية، الاثنين الماضي، واتهمت فيه أديس أبابا بالسماح لطائرات مسيرة إماراتية الانطلاق من مطار بحر دار، في أقليم أمهرا، رفضت الحكومة الأثيوبية تلك الاتهامات. ومضت إلى أن السودان يدعم "مرتزقة" تيقراي لزعزعة استقرار المنطقة، بحسب وصف البيان الحكومي. وأن القوات المسلحة السوداني تقدم دعماً مالياً وتسليحياً لعناصر معادية مما سهل توغلهم على طول الحدود الغربية لأثيوبيا، وانها تملك أدلة كافية وموثوقة تُظهر أن السودان أصبح مركزًا لقوى مختلفة معادية لإثيوبيا.
رد جبهة تيقراي
في بيان صدر عنها، الثلاثاء، رفضت جبهة تيقراي
اتهامات الحكومة الأثيوبية ووصفت التصريحات الحكومية بأنها طلا أساس لها من
الصحة" واعتبرتها جزء من نمط التضليل الإعلامي. وأكد البيان أن "جبهة
تحرير شعب تيغراي لم تشارك، ولم تدعم، أي أنشطة تقوض الاستقرار الإقليمي".
كما حذرت الجبهة مما وصفته بـ"نمط سلوكي
ثابت" ينذر بجر إثيوبيا إلى صراع جديد، مشيرةً إلى "الخطاب التصعيدي،
والتدخلات الخارجية، والتحالفات الانتهازية مع أجندات إقليمية متنافسة".
وأضاف في بيانها "إن مثل هذه التصرفات لا
تؤدي فقط إلى توتر العلاقات مع الدول المجاورة، بل تهدد أيضاً بتوريط إثيوبيا في
صراعات لا تخدم مصالح شعبها".
اتهامات متجددة
اتهام الحكومة الأثيوبية للسودان بدعم مقاتلي جبهة تيقراي، واستخدامهم
في حربه ضد قوات الدعم السريع ليس وليد أحداث المسيرات التي استهدفت مطار الخرطوم
مؤخراً. ففي مايو 2024، أعلنت الحكومة الإثيوبية في بيان أنه
قد وصلها معلومات تفيد بوجود قوات من جبهة تحرير تيغراي المتمردة سابقا تقاتل إلى
جانب قوات الجيش السوداني. وهي معلومات استقتها من
تصريحات لقوات الدعم السريع بعد توغله في ولاية الجزيرة بوسط السودان ومحاولاته
التمدد شرقاً في اتجاه ولاية القضارف بشرق السودان.
أشارت أثيوبيا إلى أن هذه العناصر هي مجموعة تدعى قوات "سامري"، متهمة بارتكاب مذبحة في بلدة
ماي خضرا قرب الحدود السودانية، في نوفمبر عام 2020. وأوضحت أن هذه المجموعة لم تدخل إثيوبيا بعد توقيع اتفاق سلام، "خوفا
من العقاب أو الاعتقال بالإضافة إلى خوفها من الأهالي في حال تعرفوا عليها".
ويعود وجود مقاتلي جبهة تحرير شعب تيقراي في السودان إلى فترة الحرب
بين الحكومة الفيدرالية الأثيوبية والجبهة والتي اندلعت في خواتيم العام 2020،
نتيجة الصراع على السلطة بينهما. وكان السبب المباشر عندما تحدت الجبهة، التي كانت
تحكم إقليم تيقراي في شمال أثيوبيا، الحكومة الفيدرالية بإجراء انتخابات إقليمية
منفردة، واتهامها يمهاجمة قواعد عسكرية للجيش الفيدرالي.
لجأ الكثير من مقاتلي الجبهة إلى الحدود الشرقية للسودان، بعد التفوق
العسكري للجيش الأثيوبي، وتم اعتبارهم لاجئين خاضعين لقوانين اللجوء الدولية وتم
استيعابهم في معسكرات اللجوء التي تشرف عليها المفوضية السامية للاجئين التابعة
للأمم المتحدة بالتعاون مع السلطات السودانية المختصة.
التوترات الأخيرة
بيان جبهة تحرير شعب تيقراي، على الرغم من ارتباطه بالتطورات التي شهدتها العلاقات
السودانية الأثيوبية عقب حادثة مطار الخرطوم، تستوجب قراءته باستصحاب التوترات
الأخيرة في الداخل الأثيوبي ومؤشرات إنهيار اتفاق سلام بريتوريا بين الحكومة
الفيدرالية والجبهة.
ففي عام 2022 نجحت الصغوط الإقليمية والدولية في إسكات البنادق بعقد
اتفاق بريتوريا، بعد حرب دامية استمرت نحو عامين وراح ضحيتها أكثر من 600 ألف
أثيوبية حسب التقديرات، وأدت إلى نزح مئات الآلاف. وعلى الرغم من وصف المراقبين
لهذا الاتفاق بال"هش"، إلا أنه حقن الدماء بين الفرقاء الأثيوبيين لثلاث
سنوات قبل أن تظهر بوادر التوترات الأخيرة.
ومثلما بدأت الحرب بين الطرفين بسبب الانتخابات، وأشعل فتيلها محاولات
جبهة تحرير تيقراي إجراء انتخابات منفردة للإقليم، هذه المرة أيضاً تتدخل
الانتخابات لتكون سبباً في التوترات والتي ربما تؤدي إلى انهيار اتفاق بريتوريا
وانطلاق المدافع مرة أخرى. لكن السبب هذه المرة هو الحكومة الفيدرالية، وليست
الجبهة، إذ اعترف المجلس الوطني للانتخابات في
إثيوبيا بحزب التضامن الديمقراطي لتيجراي (سيمريت) كحزب سياسي إقليمي مؤهل للترشح
للانتخابات في تيغراي عام 2026. إلا أن المجلس لم يمنح جبهة تحرير شعب تيقراي الاعتراف نفسه، وهي الجبهة التي حكمت الإقليم
كحزب سياسي منذ عام 1991 وحتى الآن.
هذا قاد إلى اندلاع اشتباكات متقطعة بين قوات
مرتبطة بالجبهة والجيش الفيدرالي الإثيوبي منذ يناير 2026، خاصة في مناطق حدودية
داخل الإقليم. كما تحدثت تقارير عن تحركات عسكرية وتعزيزات على حدود تيقراي، ما
أثار مخاوف من عودة الحرب واسعة النطاق.
في أبريل ومايو 2026، أعلنت الجبهة أنها ستعيد
المؤسسات السياسية التي كانت قائمة قبل حرب 2020، بما في ذلك البرلمان الإقليمي،
وأعادت تعيين زعيمها دبرتظيون جبريمايكل رئيساً للإقليم. وقد اعتُبر ذلك تحدياً
مباشراً لاتفاق بريتوريا وخلق عملياً سلطتين متنافستين داخل تيقراي.
حرب السودان وحرب أثيوبيا
تاريخياً، ظل ثيرموتر العلاقة بين السودان وأثيوبيا متذبذباً على
الرغم من العلاقة الوثيقة بين الشعبين والتداخل الحدودي والمصالح المشتركة بينهما.
لكن ظلت العلاقة بين الأنظمة تحكمها طبيعة الأنظمة الحاكمة في البلدين والتغيرات
الجيوسياسية التي لا يتحكمان فيها.
وفي علاقات الطرفين تشابهات عديدة حتى في طبيعة الحروب الداخلية،
وتحديداً الحروب الأخيرة. ففي أثيوبيا تمردت قوات جبهة تحرير تيقراي على الحكومة
الفيدرالية، وكانت جزءاً من السلطة، بل كانت الجبهة على رأس السلطة أثيوبيا فعلياً
بعد انتصار الثورة على نظام منقستو هايلي ماريام، إلى أن اعتلى أبي أحمد رئاسة
الوزراء. في السودان تمردت قوات الدعم السريع التي كانت جزءاً من السلطة، وكان
قائدها نائباً لرئيس مجلس السيادة في الدولة بعد انتصار ثورة ديسمبر منذ تعيينه في
2019 ومشاركته رئيس مجلس السيادة في الانقلاب على السلطة المدنية وإلى اندلاع
الحرب في أبريل 2023.
وتتشابه الدولتان في طبيعة الاتهامات المتبادلة، إذ تتهم الخرطوم إديس
أبابا بتقديم الدعم والتسهيلات لقوات الدعم السريع في قتالها ضد الجيش الوطني،
بينما تتهم أثيوبيا السودان بدعم مقاتلي جبهة تحرير تيقراي.
واقع أن "لا خيار لك في اختيار جارك" يضع الدولتين أمام
تحديات عظيمة تبدأ من تعظيم الإرادة السياسية لمعالجة قضاياهما الداخلية والسعي
لإقرار السلام والتنمية لشعوبهما داخلياً، ومن ثم بناء علاقات جوار بناءة تعود على
البلدين بالفائدة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق