أمير بابكر عبد الله
نشر في موقع لألترا صوت
"لا وقت لدينا لتصنيفهم ودفنهم في مقابر
عادية، فإن أعدادهم كبيرة. من الأفضل أن نحرقهم"؛ هذا ربما دار في أذهان قادة
قوات الدعم السريع وهو يشاهدون أعداد الجثث المترامية أمامهم بعد أن أوسعوا
أصحابها رصاصاً دون تمييز بين كبير وصغير، إمرأة ورجل.
هذا ما اضطر مختبر ييل للأبحاث الإنسانية أن
يحدد المقابر، التي رصدها عبر أدواته المعروفة، كمجموعات تحوي داخلها أعداداً غير
محددة من القتلى، طالما كانت متوافقة مع بقايا بشرية في جميع أنحاء الفاشر وشمال
دارفور وحتى الجدران الترابية أو السواتر بعد أن سيطرت قوات الدعم السريع على
الفاشر.
ونشر مختبر الأبحاث الإنسانية التابع لكلية ييل للصحة العامة بالولايات المتحدة الأمريكية، في 16 ديسمبر الجاري، تقريراً مفصلاً تحت عنوان "قوات الدعم السريع: عمليات قتل جماعي منهجي والتخلص من الجثث في الفاشر، شمال دارفور"، في الفترة من 26 أكتوبر إلى 16 ديسمبر 2025.
مختبر كلية ييل
يعتبر مختبر الأبحاث الإنسانية التابع لكلية ييل للصحة العامة أحد أبرز المراكز البحثية التي تدمج
بين التكنولوجيا المتقدمة وحقوق الإنسان، ومقره مدينة نيو هيفن بولاية كونيتيكت
الأمريكية.
تتمثل المهمة الرئيسية للمختبر في استخدام
البيانات والتقنيات الرقمية لتعزيز الأمن الإنساني ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات في
مناطق النزاع. يركز المختبر على سد الفجوة بين البحث الأكاديمي والعمل الميداني من
خلال توفير أدلة علمية دقيقة للمنظمات الدولية وصناع القرار.
ويعتمد المختبر على أدوات حديثة لجمع الأدلة عن
طريق الاستشعار عن بعد وصور الأقمار الصناعية وتحليل البيانات مفتوحة المصدر ونظم
المعلومات الجغرافية لرسم خرائط دقيقة للنزاعات وتأثيرها على السكان.
وعرف المختبر بتوثيقه لعدة ملفات دولية ساخنة
أبرزها النواع في أوكرانيا وتوثيق النزاع في السودان إلى جانب توثيق أزمات اخرى في
الصين وميانمار وأثيوبيا.
القتل جماعي في الفاشر
أكد التقرير على الثقة العالية للمختبر في
أدواته البحثية التي قطعت بأن قوات الدعم السريع (RSF) انخرطت في عمليات قتل جماعي واسعة
النطاق ومنهجية في الفاشر، شمال دارفور، بعد استحواذها على السيطرة الكاملة على
المدينة والمنطقة المحيطة بها. وبحسب التقرير، استهدفت حملة القتل الجماعي لقوات
الدعم السريع المدنيين الذين كانوا يحاولون الفرار من المدينة والذين كانوا
يلتمسون اللجوء في حي الدرجة الأولى. بعد ذلك، انخرطت قوات الدعم السريع في حملة
منهجية امتدت لأسابيع لتدمير أدلة عمليات القتل الجماعي الخاصة بها من خلال دفن
وحرق وإزالة بقايا بشرية على نطاق واسع. ولا يزال التخلص من الجثث وتدميرها
مستمراً.
توثيق بأدلة الرصد
حدد مختبر ييل للأبحاث الإنسانية ما لا يقل عن
150 مجموعة ظهرت أول مرة في صور الأقمار الاصطناعية التي التقطت بين 26 أكتوبر
2025 و 1 نوفمبر 2025. تمت مراقبة هذه المجموعات باستخدام صور الأقمار الاصطناعية
حتى 28 نوفمبر 2025.
واحدة من أكثر الظواهر التي ركز عليها التقرير
هي تلون الأرض باللون الأحمر في 38 موقعاً مختلفاً، 33 منها مرتبطة مباشرة بتجمعات
الأجسام. باستخدام التحليل متعدد الأطياف، استبعد الباحثون أن يكون هذا التلون
ناتجاً عن نباتات أو تربة طبيعية، ورجحوا أنه بسبب الدم أو السوائل الجسدية. ومع
مرور الوقت، تحوّل اللون الأحمر إلى بني، في نمط يتسق مع أكسدة الدم.
يشير التقرير إلى حدوث تغييرات في حجم 108 من
أصل 150 مجموعة (72٪)، بما في ذلك 57 مجموعة لم تعد مرئية (38٪ من جميع المجموعات
المحددة) بحلول 28 نوفمبر 2025.
كما يشير نشاط مركبات يتوافق مع قوات الدعم
السريع بالقرب من 31 مجموعة على الأقل، بما في ذلك وجود مركبات متوافقة مع قوات
الدعم السريع ومسارات مركبات جديدة مرئية. ورصد 20 حالة على الأقل
من حرق الأشياء و8 حالات من تغيرات على طبيعة الأرض بحلول 28 نوفمبر 2025 على
الأقل.
أحد أكثر الاستنتاجات ملاحظة في التقرير هو ما
وصفه بتوقف نمط الحياة المدنية في الفاشر بعد 26 أكتوبر 2025، حيث لم تُرصد أنشطة
أسواق، ولا حركة نقل مدني، ولا تجمعات بشرية طبيعية. ولوحظ نمو نباتي غير اعتيادي
في الأسواق، في مؤشر على الهجر الكامل. كما توقفت الزيادات الطبيعية في المقابر
المعروفة، التي كانت تشهد، قبل سيطرة قوات الدعم السريع، عمليات دفن فردية منتظمة.
القتل من باب إلى باب
أظهرت أدلة الرصد التابعة للمختبر أن 83 مجموعة
خارج الفاشر، من جملة 150 مجموعة تم رصدها، تظهر متوافقة مع قيام قوات الدعم
السريع بقتل الناس أثناء فرارهم من المدينة.
ووثق التقرير عمليات القتل من باب إلى باب
والقتل بأسلوب الإعدام في المناطق التي كان المدنيون يلجأون إليها. ويشير إلى 52
مجموعة موثقة عبر حي الدرجة الأولى، آخر ملجأ مدني رئيسي معروف، موكداً على أن هذا
النمط من التخلص من الجثث يعتبر نمطاً منهجياً لقيام قوات الدعم السريع بعمليات
قتل من باب إلى باب.
وقادت الاستنتاجات التي خرج بها التقرير إلى أن
هناك عمليات قتل جماعي نفذت في مواقع يحتمل ارتباطها بالاحتجاز مثل السجون،
بالإضافة إلى عمليات القتل الجماعي في المنشآت العسكرية.
هذا الاستنتاج، بحسب التقرير، يعني أن قوات
الدعم السريع نفذت عمليات قتل جماعي واسعة النطاق ومنهجية لأشخاص كانوا محاصرين
داخل المدينة وحاولوا الفرار من الفاشر بعد أن استولت قوات الدعم السريع على
المدينة في 26 أكتوبر 2025. يؤكد التقرير أن هذا الاستنتاج يعتمد على مجمل كل من
التقييمات الفردية عالية الثقة لكل مجموعة مرئية في صور الأقمار الاصطناعية عالية
الدقة جداً والظواهر العامة وتوزيع ومظهر هذه المجموعات المتوافقة مع بقايا بشرية.
يشير التقرير إلى أن المحللون حاولوا تفسير
الظواهر الفردية في كل حالة والظواهر المجمعة الإجمالية من خلال فرضيات بديلة
متعددة؛ ولم يكن أي منها، سواء بشكل فردي أو مجتمعة، قادراً على تفسير هذه الظواهر
بمعيار ثقة عالٍ غير الاستنتاج الذي توصل إليه هذا التقرير.
أحد أكثر الاستنتاجات ملاحظة في التقرير هو ما
وصفه بتوقف نمط الحياة المدنية في الفاشر بعد 26 أكتوبر 2025. لم تُرصد أنشطة
أسواق، ولا حركة نقل مدني، ولا تجمعات بشرية طبيعية، بل على العكس، لوحظ نمو نباتي
غير اعتيادي في الأسواق، في مؤشر على الهجر الكامل. كما توقفت الزيادات الطبيعية
في المقابر المعروفة، التي كانت تشهد، قبل سيطرة قوات الدعم السريع، عمليات دفن
فردية منتظمة.
رغم ذلك يعترف التقرير بصعوبة تحديد عدد
الضحايا بدقة. فبينما تشير تقديرات أممية إلى بقاء نحو 260 ألف شخص في الفاشر حتى
أغسطس 2025، تتحدث تقارير لاحقة عن نزوح أكثر من 100 ألف بعد 26 أكتوبر. وفيما
نقلت وسائل إعلام محلية أرقاماً عن عشرات الآلاف من المحتجزين أو القتلى، يؤكد
مختبر ييل أن الأدلة المتوفرة لا تسمح بإحصاء نهائي، لكنها كافية لإثبات وقوع
عمليات قتل جماعي "على نطاق غير مسبوق" في سجلات التحليل المدني لصور
الأقمار الصناعية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق