مقترح على طاولة الاتحاد الأوربي.. هل تعود قوات حفظ السلام إلى دارفور مرة أخرى؟

 أمير بابكر عبد الله

نشر على موقع ألترا صوت

للسودان تجارب عديدة مع البعثات وقوات حفظ السلام الأممية، التي لازمت الحروب الداخلية خاصة في ظل حكم الرئيس عمر البشير الذي امتد من 1989 وحتى 2019.

ومع تعالي الأصوات داخل السودان على الصعيد الإقليمي والدولي بضرورة حماية المدنيين في ظل التدهور الأمني بسبب الحرب الدائرة الآن، وضع على طاولة الاتحاد الأوربي مقترح إنشاء قوة لحفظ السلام في دارفور بتمويل وآلية مساهمة مختلطة بالتنسيق مع الاتحاد الأفريقي.

المقترح الذي لا يزال في طور الدراسة، بحسب مصادر صحفية، والذي تعكف على دراسته دوائر مختصة بالاتحاد لم يكون وليد اللحظة بل تقدمت به هيئات تابعة للاتخاد الأفريقي منذ العام 2024، مع التدهور المريع للأمن في أقاليم السودان بسبب الحرب وبصفة خاصة في إقليم دارفور الذي سيطرت عليه قوات الداعم السريع بالكامل بدخولها مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، آخر المواقع التي كانت تحت قبضة الجيش السوداني حتى أكتوبر الماضي.

التجربة السورية تلقي بظلها

الخطوة الأوربية يبدو أنها تسير على خطى التجربة السورية في التعامل مع الأزمة السودانية. وهي، بحسب المصادر الصحفية، تدور بعيداً عن أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، حيث يعتند المقترح على آلية تمويل ومساهمة مختلطة تشمل الاتحاد الأوربي وشركاء دوليين، لم يرشح منهم سوى اسم الولايات المتحدة الأمريكية، إلى جانب الاتحاد الأفريقي.

من الواضح أن المقترح يحاول تفادي تعقيدات إصدار قرار أممي، مثلما حدث في سوريا عندما شكل التحالف الغربي قواته بعد تعثر وشلل المنظمات الأممية في التوافق على قرار موحد بسبب الفيتو الروسي والصيني.

تجربة بآليات سودانية

لعل من أبرز التجارب التي مر بها السودان في آليات فض النزاع وفصل بين القوات، كانت بعد توقيع اتفاقية أديس أبابا في العام 1972، بين الحكومة السودانية وقوات الأنانيا، وهي التفاقية التي أنهت الحرب الأولى.

الاتفاقية تم التوقيع عليها بوساطة مجلس الكنائس العالمي والإمبراطور الإثيوبي هيلا سلاسي امبراطور أثيوبيا في ذلك الوقت، دون تفويض من الأمم المتحدة. ونصت الاتفاقية على تشكيل آلية تنفيذ ومراقبة كانت سودانية داخلية بالكامل، ولم تتضمن انتشار قوات أممية أو إقليمية. ونصت على دمج مقاتلي أنانيا في الجيش السوداني وقوات الأمن، بدل إبقائهم كقوة مستقلة تحت رقابة دولية. وتشكّلت لجان تنفيذ ومتابعة من الطرفين (الحكومة وحركة الأنانيا)، لكنها ليست دولية. ولم تكن هناك قوات فصل، ولا مراقبون عسكريون دوليون، ولا آلية تحكيم دولية. استمر العمل وفقاً للاتفاقية حتى اندلاع الحرب الثانية في مايو 1983.

تجربة يوناميد في دارفور

واحدة من أكثر تجارب حفظ السلام تعقيدًا في إفريقيا، سواء من حيث حجم التفويض أو التحديات السياسية والأمنية والإنسانية التي واجهتها، كانت تجربة قوات حفظ السلام المشتركة في دارفور "يوناميد".

أُنشئت يوناميد عام 2007 بقرار مجلس الأمن رقم 1769، كأول بعثة هجينة بين الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، استجابةً للنزاع المسلح في دارفور منذ 2003، وما صاحبه من انتهاكات جسيمة، نزوح جماعي، وانهيار أمني، ومن أجل حماية المدنيين، ودعم العملية السياسية، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، ومراقبة حقوق الإنسان.

جاءت يوناميد في لحظة بلغت فيها دارفور ذروة العنف، الذي تمثل في حرق القرى ونزوح الملايين إلى المعسكرات، واتهامات دولية بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وكان إنشاء بعثة هجينة بين الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي سابقة في تاريخ عمليات حفظ السلام، عكست محاولة للتوفيق بين الضغوط الدولية ورفض الحكومة السودانية آنذاك لنشر قوة أممية خالصة.

ورغم النجاحات التي حققتها البعثة المشتركة، إلا أن الانتهاكات والقتال لم يتوقف والقرى لا زالت تحرق، ويعود ذلك إلى ضعف الآليات وادوات الردع والحسم رعم قوة التفويض الذي تمتعت به. وهذا انعكس على رؤية المدنيين لقدراتها واعتبروها قوة تراقب اكثر مما تحمي، وهو تفويضها الأساس، وتتنشر تقاريرها دون أن يكون لها القدرة لمنع الانتهاكات، مما أدى إلى تشكل فجوة ثقة بين المدنيين والبعثة خاصة عندما كانت الدوريات تصل متأخرة، أو تكتفي بإجراءات شكلية بعد وقوع الانتهاكات.

اليوم سياق مختلف

جاءت بعثة "يوناميد" إلى دارفور في 2007 في ظل واقع مختلف عن اليوم ومشهد سياسي وعسكري لا علاقة له بتداعيات الحرب الراهنة. كانت كل مدن إقليم دارفور وعواصم الولايات الخمس تحت سيطرة الحكومة المركزية والجيش السوداني. ومن المفارقات أن قوات الدعم السريع تم إنشاءها من قبل السلطة لمحاربة الحركات التي كانت تحمل السلاح في مواجهتها.

كانت هناك حكومة مركزية قابضة، ووافقت على نشر قوات "يوناميد" على مضض، بعد أن برز اتجاه دولي قوي بالتدخل العسكري على غرار ما حدث في كوسوفو أو العراق بحجة حماية المدنيين. وكان بالنسبة لحكومة البشير أخف الضرري، وليس رغبة في حماية المدنيين.

بعد انتشار قوات "يوناميد" بدأت المحكمة الدولية في تحقيقاتها وأصدرت مذكرات اتهام بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية في حق الرئيس عمر البشير و50 من قيادات الدولة لهم صلة بالانتهاكات في دارفور.

أما اليوم فالمشهد السياسي على مستوى الدولة والسلطة أكثر تعقيداً، إذ فقدت الدولة قدراتها على التحكم في ظل الحرب، بل انتقل مركز قرارها من العاصمة الخرطوم إلى مدينة بورتسودان. كما فقدت قدراتها التنفيذية مع استمرار الفشل في تشكيل حكومة تنفيذية منذ 25 أكتوبر 2021 وحتى إندلاع الحرب في 15 أبريل 2023.

على المستوى الميداني، فقدت الحكومة المركزية سلطاتها على كل إقليم دارفور بدخول قوات الدعم السريع لمدينة الفاشر، وانتشارها في ولايات كردفان بشكل كبير.

هذا الواقع يطرح أسئلة حول معنى نشر قوات حفظ سلام في الوقت الراهن، خاصة مع عدم الوصول إلى اتفاق وقف إطلاق نار بين الأطراف المتقاتلة. ولعل أهم الأسئلة، إذا ما كانت هذه القوات ستدخل دون موافقة أطراف الحرب أو أحد أطرافها، أم ستأتي في سياق المجهودات الدولية الرامية لإحلال السلام في السودان. ربما الإجابة على هذا السؤال هي ما سيحدد مستقبل السودان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق