عودة الحكومة السودانية إلى الخرطوم.. آمال عريضة هل تبتلعها التحديات؟

أمير بابكر عبد الله

نشر في موقع ألترا صوت

حملت السلطة التنفيذية حقائبها يتقدمها رئيس الوزراء، كامل إدريس، عائدة لمزاولة أعمالها من العاصمة السودانية الخرطوم بعد 1000 يوم غياب. فمنذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023 أغلقت الدولة مؤسساتها في الخرطوم بعد أن بسطت قوات الدعم السريع سيطرتها على القصر الرئاسي والمناطق المحيطة به والتي تشمل كل مقار العمل الوزاري والحكومي، إلى جانب حصارها للقيادة العامة للجيش التي يقع مقرها في قلب العاصمة.

أجبر هذا الوضع اتخاذ مدينة بورتسودان الساحلية، التي تبعد عن العاصمة بنحو 900 كيلومترا بالطريق البري، مقراً إدارياً لمجلس السيادة والوزارات والمؤسسات الحكومية كعاصمة مؤقتة ومقراً لإدارة شؤون الدولة.

دافع العودة والتحدي الأمني

إذا كان سبب انتقال الدولة بمؤسساتها من الخرطوم إلى بورتسودان متعلق بالأوضاع الأمنية التي خلقتها الحرب وتداعياتها، فمن الطبيعي ارتباط العودة بانتفاء أسباب الانتقال.

في مايو 2025 أعلنت قيادة الجيش السوداني خلو العاصمة القومية من أي تواجد لقوات الدعم السريع، بعد خروج آخر تلك القوات عبر عدة معابر متجهة إلى الغرب.

بالرغم من إعادة بسط الجيش سيطرته على كل أرجاء العاصمة، مقر السلطة السيادية والتنفيذية قبل الحرب، بنحو 8 أشهر من عودة الحكومة إليها، إلا أن المهددات الأمنية لا تزال قائمة في ظل عدم التوصل إلى اتفاق لوقف العدائيات وإطلاق النار والانخراط في عملية مفاوضات السلام والانتقال السياسي.

يمكن تفسير عودة الحكومة السودانية لمزاولة أعمالها من الخرطوم من خلال ثلاثة مؤشرات متداخلة. يرتبط المؤشر الأول بعودة الأمن، أو هي الرسالة التي تبعثها الحكومة في بريد المستهدفين بها. ويدعم هذا المؤشر عودة بعض المؤسسات والوزارات مما يعني أن الجيش بات يسيطر ميدانياً على العاصمة وتحسن قدرة تأمين المقار والطرق والاتصالات.

لكن ما يضعف من قوة هذه الرسالة أن هذا المؤشر يظل جزئياً وليس كاملاً، إذ تظل عودة الأمن والاستقرار وظيفية محدودة تسمح بإدارة الدولة مما يمكن وصفه بالأمن الانتقائي وليس أمناً مدنياً مستداماً يعيد الحياة إلى طبيعتها الكاملة حتى الآن.

يشهد على ذلك استمرار الهجمات بالمسيرات داخل الخرطوم يعني أن العاصمة ليست آمنة بالمعنى الكامل. وكذلك غياب عودة واسعة للسكان، والبنية الخدمية ما تزال شبه مشلولة.

رصد "الترا" التهديدات الأمنية، رغم غياب إحصاء رسمي شامل، عشرات الهجمات بطائرات مسيرة استهدفت مواقع عسكرية ومدنية في الخرطوم وضواحيها في الفترة من مايو إلى أكتوبر 2025. تقديرات غير رسمية من هذه الحوادث تفيد بأن عدد الهجمات يتجاوز 20–30 هجوماً بطائرات مسيرة في تلك الفترة، مع تفاوت في الحجم (بعضها هجمات متعددة الطائرات في يوم واحد).

اتفاق تحت الطاولة

كما يمكن تفسير هذه العودة إلى ما يمكن اعتبارها مؤشرًا لاتفاق «تحت الطاولة» بين الجيش وقوات الدعم السريع وربما برعاية دولية أو إقليمية تمهيداً لخطوة جادة في طريق وقف إطلاق النار وحماية المدنيين ومن ثم محادثات السلام التي تفضي إلى وضع انتقالي متفق عليه.

وهناك مؤشرات تجعل من هذا التفسير مقبولاً ولكن ليس بالدرجة الكافية. ويغذي هذا الاحتمال توقف أو انخفاض وتيرة الاشتباكات البرية داخل قلب الخرطوم، وانتقال الصراع إلى ضربات مسيّرات بعيدة بدل القتال المباشر. كما أن هناك سوابق سودانية وإقليمية لاتفاقات أمنية غير معلنة لإدارة الصراع لا إنهائه.

ولكن تظل هناك مؤشرات تناقض هذه الفرضية، إذ لا يزال الدعم السريع يعلن العداء السياسي والعسكري للسلطة القائمة مع استمرار الضربات الجوية مما يوحي بأن قواعد الاشتباك لم تُحسم. كما أن هناك غياب لأي مكاسب سياسية واضحة للدعم السريع مقابل الانسحاب.

كل ذلك يجعل فرضية اتفاق تحت الطاولة أقرب إلى إدارة مؤقتة للاشتباك وليس اتفاق سلام أو تقاسم نفوذ.

 لذلك تظل القراءة الأرجح بان هذه العودة هي رسالة سياسية أكثر من كونها تحولًا أمنيًا. فهي تمثل خطاب سيادي يعني أن العاصمة تحت سيطرة الدولة، كما تحمل بين طياتها رسالة تفاوضية تقول بأن موقف الجيش تحسن في أي مسار سياسي قادم. وهي رسالة ضغط في مواجهة الطروحات التي تتحدث عن عاصمة بديلة.

التحديات الاقتصادية

تناول رئيس الوزراء ملامح لما يتوقع أن يكون عليه الاقتصاد بعد العودة إلى الخرطوم وتزامن حديثه عن ميزانية 2026 مع هذه العودة منح التصريحات بعدا رمزيا واضحا يهدف إلى إيصال رسالتين في وقت واحد الأولى للداخل لطمأنة المواطنين بأن الدولة عادت لممارسة وظائفها من العاصمة وأن مرحلة الطوارئ تقترب من نهايتها والثانية للخارج لإظهار قدر من الجدية والانضباط المالي أمام المانحين والمؤسسات الدولية باعتبار أن إعداد ميزانية دون أعباء إضافية يعكس نية الاستقرار لا الجباية.

يقول الاقتصادي ومنسق منتدى مراقبة الموازنة العامة، عبد العظيم محمد، إن هذه التصريحات تعكس في جوهرها طموحات سياسية أكثر من كونها برنامجا اقتصاديا قابلا للتنفيذ لأن أي حديث عن خفض التضخم أو رفع النمو أو استقرار سعر الصرف يفترض أولا وجود دولة مستقرة ومؤسسات عاملة وموارد حقيقية وهو ما لا يتوفر في الواقع الحالي.

ويذهب محمد في حديثه لـ"الترا صوت" بأن الحديث عن التضخم يظل في إطار إدارة الأزمة ما لم تترافق الميزانية مع كبح حقيقي لتمويل العجز عبر طباعة النقود وضبط فعلي للإنفاق العام خاصة الإنفاق العسكري. ويؤكد أن خفض التضخم لا يتحقق بالتصريحات وإنما بسياسات نقدية ومالية منسقة، وإيقاف التمويل بالعجز وإصلاح النظام الضريبي. ويضيف "هي قضايا لم يتم توضيح كيف ستعالج في ظل الحرب وتآكل الإيرادات". ومن الناحية الفنية فإن استهداف خفض التضخم إلى 70% يظل اعترافا ضمنيا بأن الاقتصاد ما زال في نطاق التضخم الجامح وحتى في حال تحقق الهدف تبقى النسبة مرتفعة جدا ولا تعكس حالة استقرار اقتصادي.

أما الحديث عن تحقيق نمو في الناتج المحلي بنسبة عشرة % في اقتصاد مدمر البنية التحتية ومشلول في قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات ويعاني من نزوح واسع للسكان، يقول محمد إن الحديث يبدو غير واقعي ما لم يسبقه وقف فعلي للحرب وإعادة تشغيل الإنتاج وحماية القطاع الخاص وفي غياب هذه الشروط قد يتحقق نمو اسمي محدود بفعل تغيرات سعر الصرف أو توسع الاقتصاد غير الرسمي دون أن ينعكس فعليا على معيشة المواطنين.

ويظل السوق الموازي هو المؤشر الأكثر صدقا لحالة الاقتصاد فهو ليس مجرد ظاهرة نقدية بل انعكاس مباشر لانعدام الثقة في السياسات المالية والنقدية ودون توحيد فعلي لمراكز القرار الاقتصادي وضمان موارد حقيقية من الصادرات أو دعم خارجي مستدام ستظل السوق الموازية هي الحاكم الفعلي لسعر العملة.

ويتساءل الاقتصادي، عبد العظيم، من موقع الرقابة على المال العام: أين الموازنة التفصيلية، ولماذا لا يتم نشرها بوضوح؟ أين بنود الصرف الحقيقي المخطط له و ماهي الأولويات؟ بمعني هل وكيف ستوجه الموارد المحدودة للخدمات الأساسية أم للأمن والإدارة السياسية. وقال إن الوعود الاقتصادية لا قيمة لها دون أرقام واضحة ومصادر تمويل محددة وجدول زمني معلن وآليات مساءلة شفافة "فالموازنة ليست خطابا سياسيا بل عقدا ماليا مع المواطن".

وحذر من أن التفاؤل وحده لا يصنع اقتصاداً، وأن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس نقص الوعود بل غياب الصدق المالي والوضوح والاعتراف بحجم الأزمة والعمل عليها بخطوات صغيرة واقعية قابلة للقياس.

تحدي الوضع الإنساني

بدا رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، أكثر تفاؤلاً وهو يخاطب جمع من الناس بعد وصوله إلى العاصمة الخرطوم من بورتسودان، وهو يصف تلك العودة بأنها تقطة تحول في تاريخ البلاد. لكنه وكأنما يخاطب سكان العاصمة قاطعاً وعوده بتوفير الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، إلى جانب تأهيل المدارس وإعادة تشغيل الجامعات، بما في ذلك جامعة الخرطوم. إذ قال "نعود اليوم، ومعنا تعود حكومة الأمل إلى العاصمة الوطنية. نعد شعبنا بتحسين الخدمات وتوفير حياة أفضل لهم".

عودة الحكومة المركزية إلى الخرطوم تعني أنها تباشر مهامها وخدماتها لكل أطراف السودان، بحواضره وأريافه، وليس داخل حدود ولاية الخرطوم فقط. وتعني مواجهة الكارثة الإنسانية التي تعيشها البلاد بسبب تداعيات 1000 يوم من الحرب، بحسب بيانات المنظمات الأممية والدولية.

بهذه المناسبة، مرور 100 يوم على اندلاع الحرب في السودان، حذّر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، من تفاقم أزمة الجوع في السودان، مشيراً إلى أن أكثر من 21 مليون شخص يواجهون الجوع الشديد.

وقال البرنامج الأممي في بيان، إنه يقدم مساعدات إنسانية لنحو 4 ملايين شخص شهرياً، رغم محدودية الموارد، مؤكداً حاجته العاجلة إلى تمويل إنساني وممرات آمنة لضمان إيصال المساعدات إلى المتضررين، متوقعاً تفاقم الجوع اعتباراً من فبراير 2026 مع نفاد مخزونات الغذاء واستمرار القتال.

 ودعا برنامج الأغذية العالمي، ووكالات الأمم المتحدة الشريكة، إلى إنهاء الأعمال العدائية وإتاحة وصول المساعدات الإنسانية بشكل آمن ودون عوائق ومستمر، مشدداً على ضرورة ذلك لمنع المزيد من الخسائر في الأرواح، وحماية سبل العيش.

وأوضح أن "الفجوة الكبيرة" بين الاحتياجات الإنسانية والموارد المتاحة تزيد من هذه التحديات الهائلة، حيث حُرم الملايين من المساعدات المُنقذة للحياة، مع اضطرار برنامج الأغذية العالمي إلى إعطاء الأولوية للأشخاص الذين يعانون من أشد مستويات الجوع، مشدداً على حاجته إلى 662 مليون دولار إضافية للوصول إلى 8 ملايين شخص شهرياً.

تقول منظمة الصحة العالمية إن النظام الصحي في السودان تضرر بشدة جراء القتال المستمر، والهجمات المميتة المتزايدة على مرافق الرعاية الصحية، والنزوح الجماعي، ونقص الإمدادات الطبية الأساسية، والعجز في أعداد العاملين الصحيين وشُح التمويل. وقال الدكتور شبل صحباني، ممثل منظمة الصحة العالمية في السودان: "إن هذا النزاع المستمر منذ ألف يوم في السودان قد دفع بالنظام الصحي إلى حافة الانهيار. وتحت وطأة الأمراض والجوع وعدم إمكانية الوصول إلى الخدمات الأساسية، يواجه الناسُ وضعًا مدمّرًا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق