أمير بابكر عبد الله
نشؤ في ألترا صوت
وجهان للحرب أطلَّا على مجتمع الصحفيين في
السودان، فمنذ اندلاعها في أبريل 2023 استقبل الصحفيون وجه الحرب الأول في أبرز
تجلياته، من انتهاكات وعنف غير مسبوق. ومع اقتراب الحرب من إكمال عامها الثالث
بلغت مجمل الانتهاكات في حق الصحفيين 590 حالة ما بين قتل متعمد وقتل بسبب القصف
العشوائي واحتجاز وتعذيب وتشريد، هذا غير القيود على العمل الصحفي. ولم يخل العام
المنصرم من هذه التداعيات، بل تجاوزت الانتهاكات حدود البلاد لتطال بعض الصحفيين
في الخارج.
لكن من بين كل هذا الركام يطل الوجه الآخر؛ وجه
مليء بالإصرار على مواجهة التحديات والاستمرار في أداء المهام الصحفية رغم كل
المصاعب، لتتوج تلك الجهود بتسجيل إسهامات الصحافة والصحفيين السودانيين في دفتر
الانجازات الدولية والإقليمية، كاشفة عن قدرة استثنائية وعزيمة لاداء المهام
الصحفية وكشف تداعيات الحرب وآلام وآمال المواطنين وحكاياهم.
التقرير السنوي للنقابة
كشفت نقابة الصحفيين السودانيين، في تقريرها السنوي عن الحريات الصحفية لعام 2025، عن تدهور غير مسبوق في أوضاع حرية الصحافة وسلامة الصحفيين في السودان، في ظل استمرار النزاع المسلح للعام الثالث على التوالي منذ اندلاعه في أبريل 2023، محذّرة من تحوّل الصحفيين إلى أهداف مباشرة في سياق الصراع.
التقرير، بحسب نقيب الصحفيين، عبد المنعم أبو إدريس، في حديثه
لـ"ألترا صوت" غير نشره للرأي العام وإرساله إلى أجهزة
الإعلام، تقوم النقابة بإرساله إلى مؤسسات دولية معنية بحرية الصحافة على رأسها
مجلس حقوق الإنسان بالامم المتحدة والذي منذ، بدء، النقابة اصدار تقاريرها عن واقع
حرية الصحافة في السودان اعتمدت ما يصدر عن النقابة أحد وثائقها. ويضيف "كما أن
اللجنة الدولية لحماية الصحفيين تنشر التقرير على حساباتها بكل الوسائط".
سكرتارية الحريات بالنقابة، وثقت 67 حالة
انتهاك ضد الصحفيين والعاملين في المجال الإعلامي خلال عام 2025 وحده، ليرتفع
إجمالي الانتهاكات منذ اندلاع الحرب إلى 590 حالة، شملت القتل، والإخفاء القسري،
والاعتقال التعسفي، والملاحقات القضائية، والتهديدات، إضافة إلى انتهاكات طالت
صحفيين في دول اللجوء.
وبحسب التقرير، قُتل 14 صحفياً وإعلامياً خلال
عام 2025، ما رفع عدد الصحفيين الذين فقدهم الوسط الإعلامي منذ بدء الحرب إلى 34
صحفياً وصحفية، من بينهم خمس صحفيات. وأشار التقرير إلى أن بعض حالات الوفاة وقعت
نتيجة القصف العشوائي، فيما تعرّض آخرون للاستهداف المباشر أو توفوا تحت التعذيب
أو بسبب الحرمان من الرعاية الصحية أثناء الاحتجاز.
التقرير سجّل 6 حالات إخفاء قسري و4 حالات
اعتقال طويل الأمد و9 حالات اعتقال واحتجاز تعسفي مؤقت، مؤكداً أن هذه الانتهاكات
لم تقتصر على طرف واحد، بل تورطت فيها أطراف النزاع المختلفة، إلى جانب أجهزة
أمنية وشرطية في عدد من الولايات، في ظل غياب الضمانات القانونية واستمرار سياسات
الإفلات من العقاب.
في مؤتمره الصحفي ببورتسودان، وفي ختام زيارته الأخيرة للسودان، أبدى مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، قلقه من تعرض
الصحفيين لقيود تحدّ بشدة من قدرتهم على أداء واجباتهم، وأنهم مستهدفون بحملات
تشويه وحالات اختفاء قسري وعنف من كلا الجانبين. إن غياب الإعلام الحر والمستقل لا
يؤدي إلا إلى استمرار الصراع وخطاب الكراهية، اللذين يواصلان إحداث آثار وخيمة، إذ
يُجرّدان الناس من إنسانيتهم ويؤجّجان الانتهاكات الوحشية.
وقال "لا بد من بذل جهد شامل لضمان تيسير
عمل الصحفيين والمجتمع المدني عمومًا وحمايته. لقد آن الأوان للتخلص من العادات
القديمة الضارة والعقبات البيروقراطية التي تعترض سبيل تقديم المساعدات الإنسانية".
وتبرز مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، بحسب
التقرير، بوصفها إحدى أخطر بؤر الانتهاكات بحق الصحفيين خلال عام 2025، في ظل
القصف المتواصل وانعدام الأمان والانقطاع شبه الكامل للاتصالات والإنترنت، ما أعاق
عمليات التوثيق وقيّد قدرة الصحفيين على نقل المعلومات، وخلق بيئة معتمة يُرجّح أن
الانتهاكات الموثقة لا تمثل سوى جزء محدود من الواقع الفعلي. مع تسجيل ثلاثة حالات
اختفاء لصحفيين كانوا في الفاشر قبل المجازر التي تزامنت مع سيطرة قوات الدعم
السريع على المدينة في اكتوبر 2025، ولا تتوفر أي معلومات عن مكان اختفاءهم أو
ظروفهم.
من أبرز الانتهاكات الموثقة التي صاحبت سيطرة
قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر، تلك التي طالت مراسل قناة الجزية مباشر، معمر
إبراهيم المحتجز منذ 26 أكتوبر 2025، عقب توقيفه في مدينة الفاشر بولاية شمال
دارفور، أثناء محاولته مغادرة المدينة أثناء الاشتباكات الدائرة هناك. وكشف مقطع فيديو جرى تداوله على وسائل التواصل الاجتماعي يوم اعتقاله، عن
ظهوره وسط عناصر من قوات الدعم السريع، حيث عرّف بنفسه وأكد أنه محتجز لديهم. كما
ظهر في تسجيل لاحق وهو يخضع للاستجواب، موضحاً أنه جرى نقله إلى مدينة نيالا
بولاية جنوب دارفور. وتُعد هذه المقاطع المصدر العلني الوحيد المتوفر بشأن مكان
وجوده حتى الآن.
وفي حداثة ثانية، ذكرت وكالة السودان للأنباء، في
بيان صدر في 27 نوفمبر، أن تاج السر أحمد سليمان، مدير مكتب وكالة السودان للأنباء
كان يُغطي ويُوثق التطورات في الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، حتى اختفائه خلال
سيطرة قوات الدعم السريع. وذكرت الوكالة أنه قُتل في حي الدرجة، عندما اقتحم
مقاتلو قوات الدعم السريع منزله وأعدموه هو وشقيقه.
التشهير والملاحقة
أشار التقرير السنوي لنقابة الصحفيين إلى أن
الصحفيات السودانيات واجهن استهدافاً مركباً شمل الاعتقال، والتشهير، والتهديد، في
ظل قيود اجتماعية وأمنية إضافية حدّت من قدرتهن على الوصول إلى الحماية والدعم.
كما رصد التقرير 4 حالات ملاحقة قضائية استُخدم
فيها القانون الجنائي لتجريم العمل الصحفي، عبر توجيه تهم خطيرة ذات طابع سياسي
وأمني لصحفيين معروفين بمواقفهم الرافضة للحرب والداعمة للتحول الديمقراطي، في ما
وصفته النقابة بتسييس القضاء واستخدامه لإسكات الأصوات المستقلة.
وفي تطور مقلق، وثّق التقرير 8 انتهاكات عابرة
للحدود طالت صحفيين سودانيين في دول اللجوء، لا سيما في مصر وليبيا، تنوعت بين
الاعتداءات الجسدية، والتهديدات الأمنية، والاستدعاءات، ما يؤكد – بحسب التقرير –
أن مخاطر الاستهداف تلاحق الصحفيين حتى خارج السودان.
ووصف التقرير مجمل هذه الانتهاكات بأنها ذات
طابع منهجي، تشكّل تهديداً مباشراً لحق المجتمع في المعرفة، وتقوّض فرص الانتقال
الديمقراطي وبناء السلام في السودان.
وحول التدابير التي تتخذ للحد من الانتهاكات في حق الصحفيين يقول أوبو
إدريس إن النقابة تعمل على جبهتي حملات المناصرة بنشر الانتهاكات وإبلاغ المؤسسات
المعنية بالحريات الصحفية، إلى جانب التواصل مع الجهات التي ترتكب هذا الانتهاكات
وتلك التي تحتجز أو تعتقل الصحفيين.
حضور لافت للصحافة السودانية
رغم كل هذه الصورة القاتمة، شهد العام 2025
حضوراً لافتاً للصحافة السودانية في ساحات الجوائز على المستوى الدولي والإقليمي،
ومثلت تغطية الحرب الدائرة في السودان رافعة أساسية لهذا الحضور فيما سجلت المرأة
الحضور الأبرز في منصات التنافس.
تقديراً لدورها في الدفاع عن حرية الصحافة ونقل
الحقيقة، فازت الصحفية دُرّة محمد قمبو
بجائزة الخدمة في الصحافة 2025 التي يمنحها منتدى محرري أفريقيا، كاعتراف
بمساهماتها الطويلة في التغطية الميدانية وإعطاء صوت للمهمشين في السودان.
حصلت شبكة عين، جزء من منتدى الإعلام السوداني
، على جائزة هولندا لحقوق الإنسان 2025 في لاهاي، وهى جائزة هولندية لحقوق الإنسان
تُمنح للمبادرات التي توثق انتهاكات حقوق الإنسان بشجاعة. تم تكريم الشبكة لنقلها
وثائق بصرية وتقارير عن الانتهاكات في السودان.
فاز الصحفي عبد الرحمن الطيب بجائزة "كورت
شورك" العالمية للصحافة الدولية عن فئة المساند الصحفي. ويمنحها صندوق
"كورت شورك" التذكاري في مجال الصحافة في مناطق النزاعات.
وفازت الصحفية سلمى عبد العزيز بجائزة محمد حسنين هيكل للصحافة
العربية 2025 عن تغطيتها الاستثنائية لتداعيات الحرب في السودان.
دولياً، تم تكريم الصحفية يسرى الباقر، صحفية سودانية-بريطانية معروفة دولياً، ضمن جوائز
الشجاعة الصحفية من مؤسسة الإعلام النسائي الدولية إلى جانب صحفيات من دول أخرى،
تقديراً لشجاعتها في التغطية الصحفية.
في جوائز إيقاد الإعلامية لعام 2025 التي جرت في أديس أبابا تحت شعار "سرد
القصص من أجل العمل المناخي"، كان هناك تمثيل سوداني بارز ضمن الفائزين في
فئات متعلقة بتغطية البيئة والصحافة المناخية.
فازت هِبة عبد العظيم بجائزة في فئة الصحافة
باللغات المحلية عن تغطيتها القوية لقضايا بيئية مثل تلوث المياه وقضايا المناخ
والعدالة البيئية، مع إنتاج محتوى ميداني بلغ الجمهور المحلي بلغتهم.
وكرمت الهيئة الصحفي فيصل محمد صالح ، وزير
الإعلام في الفترة الانتقالية، بجائزة الإنجاز مدى الحياة تقديراً لمسيرته الطويلة
في الصحافة المستقلة والتقارير البيئية ومناصرة حرية الإعلام.
وشهد عام 2025 تم اختيار الصحفية السودانية
شمائل النور ضمن قائمة النساء العربيات الأكثر إلهاماً وتأثيراً التي تنشرها منصة
«رصيف 22» الإقليمية.
كان في مقدمة حيثيات التكريم إسهاماتها في
الصحافة المهنية الميدانية والتحقيقات التي تعكس واقع المجتمع، وقدرتها على نقل
الحقيقة بجرأة رغم الظروف الصعبة التي يواجهها الإعلام في السودان.
يختزل حصاد الصحفيين السودانيين في عام 2025
مفارقة قاسية بين واقع الانتهاكات الممنهجة التي تهدد الحياة والحرية، وبين إصرار
مهني نادر على التمسك برسالة الصحافة كحق عام لا يسقط تحت القصف ولا يُكمَّم
بالترهيب. فبينما تكشف الأرقام والوقائع عن استهداف منظم للصحفيين داخل السودان وخارجه،
يبرهن الحضور الدولي والإقليمي اللافت للصحافة السودانية على أن صوت الحقيقة، وإن
أُنهك، لم يُهزم.
إن ما تحقق من إنجازات وجوائز لم يكن نتاج ظروف
مواتية، بل ثمرة شجاعة فردية وجماعية، ودفعٍ يومي لكلفة إنسانية ومهنية باهظة. وهي
إنجازات لا تُلغي حجم المأساة، لكنها تكسر سردية الصمت، وتؤكد أن الصحافة
السودانية ما زالت قادرة على فضح الانتهاكات، وحفظ ذاكرة الحرب، ونقل معاناة
المواطنين وآمالهم إلى العالم.
وفي ظل استمرار النزاع وتراجع الضمانات، تبرز
الحاجة الملحّة إلى حماية الصحفيين ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، بوصف ذلك شرطاً
أساسياً لأي مسار جاد نحو السلام والديمقراطية. فحرية الصحافة في السودان لم تعد
شأناً مهنياً فحسب، بل معركة من أجل الحق في المعرفة، ومن أجل مستقبل لا تُدار فيه
الحروب في الظلام.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق