المليشيات في السودان.. الثور في مستودع الخزف

أمير بابكر عبد الله

نشر في موقع ألترا صوت

شهدت عدة ولايات في السودان احداثاً لافتة خلال الأسبوع الماضي على علاقة بالمشهد العام للحرب الدائرة منذ أكثر من عامين ونصف. وهي أحداث مرتبطة بظاهرة التنامي والتكاثر للمليشيات المسلحة التي شهدتها البلاد في إطار حالة الاستنفار العامة التي أطلقتها السلطات لمواجهة قوات الدعم السريع.

ربما كان هذا المشهد هو الجزء الظاهر من الصورة التي يراها المتابع للأحداث المتلاحقة بعد إندلاع الحرب في 15 أبريل 2023. لكن بالكشف عن كامل الصورة يتضح أن مسألة المليشيات العسكرية لها جزورها الضاربة في مسيرة الحكم الوطني، وإنها ذات علاقة وثيقة بالتطورات السياسية منذ أول قرار للسلطات، السياسية والعسكرية التي حكمت البلاد، بالتعامل مع أدوات الرفض وآلياته المتمثلة في التمرد المسلح بدلاً عن التعامل مع أسبابه.

ظل هذا حال الدولة السودانية؛ مستودع خزف في هشاشتها منذ الاستقلال في يناير 1956، والذي تأسس على قاعدة التمرد العسكري عليها قبل نحو عام من إعلانه رسمياً. إذ لم يكن التمرد الأول بدون أسباب، سياسية وتنموية، ولم تكن كل حلقات استمرار الحرب بين السلطة مستخدمة أجهزة الدولة والرافضين لساساتها أو المطالبين بحقوقهم، بلا رابط بهذه الأسباب. ومع استمرار غياب الدولة وتماهي مؤسساتها مع السلطة الحاكمة، أياً كانت، ومع تعمد تغييب أي محاولات للنهوض بمشروع وطني متراضٍ عليه، كان النتيجة هذه السيولة والهشاشة التي دفعت السلطات وأجهزتها العسكرية والأمنية إلى تبني سياسة محاربة المليشيات بالمليشيات، أي بخلق ثورِها الذي ستضعه مضطرة داخل مستودع الخزف.

حادثتا الشمالية ومدني

التحذيرات المتواصلة التي أطلقها مختصون، عسكريون وسياسيون ومراقبون، بأهمية وضرورة أن يكون السلاح واستخدامه تحت سيطرة الدولة ومؤسستها العسكرية وأن تكون أدوات العنف مُتحكم بها، كانت تخشى من حدوث النتائج الكارثية التي ستترتب على ذلك في المستقبل. وها هو المستقبل يصبح حاضراً يسير على قدمين ويراه الناس واقعاً يعيشون تداعياته ويتأثرون به مباشرة، موتاً ونزوحاً وجوعاً ومرضاً، بعد اندلاع الحرب الحالية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. وما الدعم السريع سوى مليشيا أسسها النظام السابق وشرع لها قانوناً لمحاربة الحركات المسلحة في دارفور وقمع أي تحركات معارضة سواء عسكرية أو مدنية.

يقول العميد المتقاعد أمين ميسرة محمد لـ"ألترا صوت" إن الجيش القومى المحترف المهنى لا يلجأ إلى المليشيات والجيوش الموازية، وإنما يعتمد التجنيد وقوات الاحتياطي، وهذه لها قوانينها التي تشرعها الدولة.

وأضاف بأن الجيوش تلجأ إلى المليشيات لتفادي المحاسبة على الانتهاكات التي تتخذ كسياسات في مثل هذه الحالات لإخضاع الخصوم. " لذلك فإنها لا تُخضِع قادة وأفراد المليشيات لمعايير الكفاءة ولا الأخلاق بل ربما تفضل من لهم سوابق إجرامية".

وأشار إلى أن هذه المليشيات لاتخضع إلى قانون أو عرف أو تقاليد، ولا يستطيع القائد السيطرة على أفرادها ولا يمنعهم أي مانع من ارتكاب أي جريمة أو مخالفه للقانون.

رغم كل ذلك لم تغير السلطات وجيشها من استراتيجيتها العسكرية بمحاربة المليشيات بالمليشيات، فكان نتيجة ذلك أن برزت إلى السطح ما عرف بـ"مليشيا أولاد قمري" في الولاية الشمالية. وفي إطار حربها مع مليشيا كانت تستقوى بها في مرحلة ما، احتضنتها القوات المسلحة على الرغم من خلفياتها وتاريخها المرتبط بمخالفات قانونية وعلاقاتها المشبوهة بالتهريب عبر الحدود وتجارة الممنوعات وعملها على حماية شخصيات ذات نفوذ في هذه الأوساط، واطلقت عليها اسماً عسكرياً جذاباً "كتيبة الاستطلاع".

كانت النتيجة أن تمردت هذه المليشيا مؤخراً على القوات المسلحة؛ يبدو ظاهره تمرداً من النوع الخفيف لكنه يحمل دلالات ذات صلة بالتحذيرات التي ظل الجميع يطلقها.

أما ما حدث في مدنية ود مدني، عاصمة ولاية الجزيرة، والذي كانت ساحته الفرقة العسكرية الأولى مشاه، فقد كان الطرف الآخر فيه هو قوة درع السودان. وهي مليشيا عسكرية كانت حليفة لقوات الدعم السريع في مرحلة ما وكان لها الفضل في سيطرتها في نهاية العم 2023 على ولاية الجزيرة ويدها الطولى في الانتهاكات والنهب والاغتصاب الذي شهدته الولاية في تلك الفترة، إلى أن تمردت هي الأخرى على الدعم السريع وانحازت للقوات المسلحة. وستظل مصدر إزعاج للمواطنين وللسلطات لأنها تمتلك قوة عسكرية وسلاح تحت نظر الجيش واستخباراته.

بنية أمنية آخذة في التشظي

النقطة الاهم هي أن حرب 15 ابريل اندلعت بسبب وجود الدعم السريع بشكل موازي للجيش، ضمن أسباب أخرى أكثر تعقيدا، ومع ذلك اصر الجيش على مواصلته في استقطاب المليشيات لصالحه، وتهيئة البيئة المناسبة لتكاثرها لتصل الى عشرات المليشيات الموالية له، هذا ما يذكرنا به الكاتب الصحفي، محمد عبد العزيز.

يقول عبد العزيز لـ"ألترا صوت" إن الاشتباكات الأخيرة في الشمالية والجزيرة، بين الجيش ومليشيات موالية له، مجرد تذكير بأن سيطرة الجيش على هذه المجموعات ليست كاملة، مشيراً إلى قرار قائد الجيش البرهان بإخضاع كل المجموعات التي تحمل السلاح للقوات المسلحة، وباخلاء العاصمة الخرطوم من هذه المجموعات إلا أن هذه المجموعات دائماً ما تصرح بأنها غير معنية بالقرار.

 وبحسب تقرير لصحيفة الشرق الأوسط فإن ميليشيات نشأت وتوسَّعت خريطة السلاح على نحو غير مسبوق، حتى قدّر البعض عدد الميليشيات بأكثر من 110، تتباهى بأسلحتها المتنوعة وتحاول فرض نفوذها.

ويتوزَّع ولاء هذه الميليشيات، خلال الحرب الحالية التي اندلعت في منتصف أبريل 2023، بين مساندة الجيش أو «قوات الدعم السريع»، بل يستغل بعضها الأوضاع التي ترتبت على الحرب لتحقيق غايات لزعمائه أو لمناطقه.

والأخطر في هذا الأمر، أن هذه الميليشيات تتوزَّع بين تكتلات جغرافية وآيديولوجية وقبلية، تسعى لبناء واقع عسكري قد يستمر لسنوات طويلة ويؤسِّس لحروب جديدة قد تندلع في المستقبل، بعد انتهاء الحرب الحالية.

يتابع عبد العزيز في حديثه لـ"ألترا صوت" بأن هذه الأحداث، لا يمكن قراءتها كوقائع منفصلة، بل كحلقة جديدة في بنية أمنية آخذة في التشظي، حيث تتكاثر المجموعات المسلحة وتتوسع خارج أي إطار ضبط أو مساءلة. وقال إن هذا الأمر يكشف عن تحوّل خطير يتمثل في نشوء «سلطات موازية» داخل الجغرافيا السودانية، سلطات تفرض نفوذها على المجتمعات المحلية وتستند إلى علاقات تمويل وحماية تمتد من البنية القبلية إلى شبكات اقتصادية وسياسية تتجاوز الدولة نفسها. وحذر من أن هذا المناخ يدفع السودان نحو مسار تتراجع فيه قدرة المؤسسات الرسمية على فرض القانون، ويزداد فيه حضور الفاعلين المسلحين الذين يتبدلون بين التحالف والصدام وفق حساباتهم الخاصة.

ويذهب ميسرة، العميد المتقاعد، إلى أن انخراط هذه المليشيات في الحرب لا بد له من بنية لوجستية وإلا لن يستجيب فرد المليشيا للقتال، لأنه مقاتل بلا عقيدة عسكرية ولا يخضع للنظم العسكرية المعروفة. وقال لذلك دائماً، وللحصول على امتيازات انخراطه في القتال، ما يلجأ النهب والسرقة والتي تصاحبها الانتهاكات المتعددة.

وأشار ميسرة إلى الأحداث الأخيرة في الولاية الشمالية والجزيرة، باعتبارها نموذجاً لتبني الجيش لمليشيات منشأة على أساس قبلي ومن مغامرين يبحثون عن المال. وأضاف "معظمهم من أصحاب السوابق الإجرامية".

خطورة المشهد

خطورة المشهد تكمن في انتقال الصراع من مواجهة بين قوتين، الجيش والدعم السريع، إلى مرحلة يتكاثر فيها اللاعبون المحليون المسلحون، بما يعيد تشكيل موازين القوى بصورة مفتتة تجعل أي تسوية سياسية شاملة أكثر صعوبة وتعقيدًا. فكل مجموعة مسلحة جديدة تضيف طبقة إضافية من التعقيد، وتفتح الباب أمام ديناميات حرب محلية جديدة، بعضها مرتبط بالهوية، وبعضها بالمصالح الاقتصادية، وبعضها الآخر بالتحالفات الظرفية، وهو أمر مرشح للتصاعد بحسب التجارب العملية حول العالم، سواء في معسكر الجيش أو الدعم السريع.

يقول عبد العزيز إن تنامي التجنيد، في بعض المناطق، يشير إلى درجة خطيرة من عسكرة المجتمع، وهو مؤشر على استمرار دورة العنف حتى بعد توقف العمليات الكبرى. ويضيف بأن المليشيات التي تتوسع تعبويًا وتحكم قبضتها على مجتمعات محلية سرعان ما تتحول إلى كيانات يصعب تفكيكها، بل قد تصبح نواة لسلطات مناطقية بحكم الأمر الواقع.

 أن بقاء هذا الوضع دون معالجة جذرية سيقود السودان إلى مستقبل تتآكل فيه الدولة ويزداد فيه نفوذ القوى المسلحة غير النظامية، ما يهدد بتكريس واقع شبيه بالتفكك وغياب مركز موحد للقرار.

 أن المسار الوحيد للخروج من هذا المنعطف يتمثل في بناء عملية متدرجة وشفافة لنزع السلاح، وإعادة هيكلة القطاع الأمني تحت مظلة جيش مهني واحد، بالتوازي مع سلطة مدنية قادرة على فرض القانون وتقديم الخدمات. فبدون ذلك، سيظل السودان محكومًا بجغرافيا السلاح ودوامة العنف، لا بجغرافيا الدولة، أو ترك الثور في مستودع الخزف.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق