النزوح والعودة.. قصة أسد ولبوة تعيد تعريف الضحايا في السودان

 أمير بابكر عبد الله

لم يكن الأسد واللبوة يعلمان أن الخرطوم ستغدو مدينة طاردة، ولا أن الحرب التي هجّرت ملايين البشر ستطالهما هما أيضًا. فمع تصاعد المعارك في العاصمة، أُجبر الحيوانان، إلى جانب عشرات الحيوانات البرية الأخرى، على مغادرة موقعهما في إجلاء اضطراري، على مغادرة موقعهما في إجلاء اضطراري، ليبدآ رحلة نزوح غير مسبوقة من الخرطوم إلى مدني، ثم إلى كسلا، هربًا من العنف ذاته الذي دفع السكان إلى الفرار من بيوتهم.

فكما نزح الناس من مدينة إلى أخرى بحثًا عن النجاة، نزحت الحيوانات البرية قسرًا، بلا خيار ولا صوت، محمولة على شاحنات أو محاصرة في أقفاص مؤقتة، تدفع ثمن صراع لم تكن طرفًا فيه. الحرب، في السودان، لم تكتفِ بإفراغ القرى والمدن من سكانها، بل أعادت رسم خرائط الحياة البرية نفسها.

كيف بدأت القصة؟

قصة الأسد واللبوة ليست استثناءً، بل مرآة صامتة لحرب كسرت التوازن بين الإنسان والطبيعة. بدأت القصة عندما سيطرت قوات الدعم السريع منذ اندلاع الحرب على أجزاء واسعة من العاصمة الخرطوم. ومثلما شرع المواطنون في ترتيب أوضاعهم والنزوح إلى مناطق بعيدة عن نيران الحرب، بدأت منظمات دولية ومحلية التفكير لإجلاء الحيونات البرية في مناطق النزاع إلى أخرى اكثر أماناً.

وجدت الأوضاع المأساوية للحيوانات البرية، التي كانت متواجدة في حدائق بالخرطوم مع اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، اهتماماً من منظمات دولية معنية بالحيوانات البرية بعد التواصل بينها ومنظمات محلية مهتمة بهذا الشأن. وتصدت منظمة "المخالب الأربعة" FOUR PAWS للمهمة.

المخالب الأربعة

هي منظمة غير حكومية وغير ربحية تعمل عالمياً دون الاعتماد على حكومات، تأسست عام 1988 في فيينا بالنمسا على يد هيلي دُنغلر وأصدقاء، بهدف الدفاع عن حقوق الحيوانات. ولديها مكاتب وفروع في العديد من الدول عبر أوروبا وأفريقيا وآسيا وأمريكا، وتدير ملاجئ للحيوانات البرية والمستأنسة في أكثر من 11 دولة.

تركّز المنظمة على كشف معاناة الحيوانات وإثارة الوعي حول ممارسات غير إنسانية تجاه الحيوانات، وإنقاذ الحيوانات المتضررة وتقديم الرعاية الطبية لها وتوفير حياة آمنة، وحماية الحيوانات وإيجاد بيئات مناسبة لها، بما في ذلك ملاجئ للحياة البرية التي تم إنقاذها من الظروف السيئة.

في نوفمبر 2023 ويناير 2024، أرسلت منظمة "المخالب الأربعة"  فريقها المتخصص إلى الخرطوم والمناطق المحيطة بها لإنقاذ الحيوانات البرية المحاصرة في مناطق القتال. وقد كان لها تجربة سابقة في السودان عندما أجلت الأسدين "كنداكة ومنصور" في العام 2020 إلى الأردن، بسبب سوء الرعاية في حديقة حيوان الخرطوم.

بدأت المنظمة بالتعاون مع منظمات محلية بإجلاء ما يقارب 50 حيوانًا بريًا من منطقة الباقير جنوب الخرطوم من ضمنها أسود، ضباع، قطط برية، طيور وغزلان، حيث كانت معرضة للخطر بسبب العنف، الجوع ونقص الرعاية البيطرية. تم نقل الحيوانات إلى غابة أمبارونا في مدينة ود مدني، عاصمة ولاية الجزيرة. لم يدم الأمر طويلاً، إذ سرعان ما سيطرت قوات الدعم السريع على المدينة وانحاء واسعة من الولاية، لتتدخل المنظمات الدولية والمحلية، بالتنسيق مع قوات شرطة الحياة البرية، لنقل بعض الحيوانات إلى مدينة كسلا. وتبدأ رحلة النزوح الثانية للأسد واللبوة إلى شرق السودان مثلما حدث للنازحين من الخرطوم إلى مدني الذين أضطروا للنزوح مرة أخرى، بينما نقل 11 أسداً بواسطة المنظمة إلى محمية طبيعية في جنوب أفريقيا.

العودة من النزوح

بدأت القصة تأخذ طابعا مثيراً عندما بدأ التنسيق بين إدارت قوات شرطة الحياة البرية، في كل من ولاية كسلا والخرطوم والجزيرة، لإعادة الأسد واللبوة إلى الخرطوم لدعم حديقة الحيوان المقترح إقامتها في غرب أمدرمان، بعد إقامتهما كنازحين استضافتهما حديقة قوات الحياة البرية في كسلا لنحو عامين.

يقول النقيب شرطة أحمد النوراني لـ"الترا صوت" إن الحرب أثرت على الحياة البرية في السودان بشكل كبير خاصة في مناطق تواجدها بالمحميات الطبيعية في مناطق مختلفة بالسودان. وأوضح بأن قوات الحياة البرية، ومن موقع مسؤوليتها، كانت مهتمة بإجلاء الحيوانات البرية المتواجدة في حدائق الحيوان في الخرطوم ومدني لتجنيبها التعرض للمخاطر التي يمكن أن تتعرض لها بعد سيطرة قوات الدعم السريع على تلك المناطق.

وأشار النوراني إلى التزام السودان بحماية الحياة البرية لما تمثله من ثروة قومية تعود للبلاد بفوائد عظيمة، إلى جانب التزام السودان بالاتفاقيات الدولية المعنية بهذا الأمر.

وقال إن السودان موقع على العديد من الاتفاقيات الدولية، ومن بينها اتفاقية سايتز "CITES" التي وقع عليها في العام 1982، وهي تهدف إلى ضمان عدم تهديد التجارة الدولية بأنواع الحياة البرية والنباتات المهددة بالانقراض من خلال تنظيم هذه التجارة وحظرها عند الضرورة. وكذلك اتفاقية حفظ أنواع الحيوانات البرية المهاجرة التي تهدف إلى حماية الأنواع البرية المهاجرة عبر نطاقات جغرافية متعددة. وانضم السودان رسميًا لهذه الاتفاقية مؤخراً في يناير 2024، مما يجعله طرفًا في الجهود الدولية الرامية لحماية الأنواع المهاجرة.

وأوضح أن الإعداد لعودة الأسد واللبوة بدأ بعد سيطرة الجيش على الخرطوم وعودة الحياة إلى طبيعتها في كثير من المناحي، وبدأ تنفيذ خطة الترحيل، بعد التنسيق بين إدارات قوات الحياة البرية في كسلا والخرطوم ومدني، ونقلها فعلياً في ديسمبر الماضي إلى الخرطوم. وتوقع أن يجدا البيئة المناسبة والعناية اللازمة هناك للتزاوج والتكاثر، إذ لم يحدث بينهما تزواج طوال فترة وجودهما في حديقة الحياة البرية بكسلا.

الحياة البرية والحرب

لم تهاجر الحيوانات البرية من السودان بفعل الطبيعة وحدها، بل دفعتها الحروب الداخلية السابقة، الصيد، التغير المناخي، وانهيار الدولة خطوةً بعد خطوة، حتى أصبحت الحرب الأخيرة أول نزاع حديث يُهجّر الحيوانات من داخل المدن كما يُهجّر البشر.

ولم يكن رصد تراجع أعداد الحيوانات البرية مرتبط فقط بهذه الحرب، ولكنه نتيجة لأسباب مختلفة. يقول الأستاذ في جامعة بحري، د. عبد الرحيم السيد في بحث منشور على صفحات مجلة الجامعة في العام 2008 "حبا الله السودان بإمكانات إنتاجية كبيرة في مجال الحيوانات البرية تنبع من تعدد البيئات لهذا القطر الشاسع، غير أن هذه الإمكانات الإنتاجية للحياة البرية لم تواكبها استراتيجيات أو خطط أو برامج أو سياسات لتطوير هذا القطاع وخاصةً المعلومات المتعلقة بتعدادها وإحصائياتها. حيث أثبتت البيانات المتوفرة من مصادر مختلفة متباينة إتجاهاً زمنياً متناقصاً لأعداد هذه الحيوانات".

النقيب شرطة النوراني يرصد تأثير الحرب الحالية على المحميات الطبيعية، ويشير إلى محمية الردوم في جنوب دارفور، التي تتواجد فيها أعداد كبيرة من الثديات البرية كالأسود والقطط البرية والأفيال والنعام، والتي تأثرت بشكل كبير بالحرب. وقال إن قوات الدعم السريع استباحت المحمية بعد سيطرتها على المنطقة، خاصة أنها غنية بالأشجار ومعدن الذهب.

وتعتبر منطقة الردوم الواقعة في حزام السافنا الغنية من أغنى المناطق بالأشجار الغابية وأدى قطع الأشجار واستخدام المواد الكيميائية السامة لاستخلاص الذهب إلى هجرة الكثير من الحيوانات إلى جمهورية أفريقيا الوسطى المجاورة، هذا غير التي قُتلت مباشرة.

في جانب آخر يقول النوراني إن محمية الدندر الطبيعية، الواقعة في ولاية سنار، لا زالت محافظة على المكون البيئي الطبيعي ولم تطلها الانتهاكات التي حدثت في محمية الردوم. إذ ظلت طوال الفترة السابقة، ولا زالت، تحت سيطرة قوات شرطة الحياة البرية.

وتتواجد في محمية الدندر العديد من أصناف الحيوانات البرية من الثديات والزاحف والطيور وتعتبر مزاراً مهماً للسياح والمهتمين بالحياة البرية.

في السودان توجد العديد من المحميات الطبيعية منتشرة بين الولايات المختلفة، ففي جنوب دارفور توجد محمية الردوم وفي شمال كردفان هناك محمية الدائر، وفي سنار تتمدد محمية الدندر على مساحات شاسعة وفي القضارف محمية "التاية – باسندة – القلابات" وفي البحر الأحمر محميتا "سنقنيب ودنقناب" وفي الشمالية محمية الغزالي وفي نهر النيل محمية جبال الحسانية.

الحياة البرية ثروة قومية

تمثل الحياة البرية في السودان ثروة قومية ذات أبعاد بيئية واقتصادية وثقافية، إذ يضم البلد واحدًا من أغنى أنظمة التنوع الحيوي في أفريقيا، يمتد من الصحارى شمالًا إلى السافانا والغابات جنوبًا، ما يجعله موطنًا لأنواع نادرة ومهددة بالانقراض.

ولا تقتصر أهمية الحياة البرية في السودان على بعدها البيئي فحسب، بل تشكل رصيدًا اقتصاديًا كامنا عبر السياحة البيئية، وفرص العمل المرتبطة بالمحميات الطبيعية، ودورها في دعم سبل العيش للمجتمعات المحلية، ما يجعل حمايتها استثمارًا في مستقبل البلاد لا ترفًا بيئيًا.

وتحقق قوات شرطة الحياة البرية إيرادات سنوية تتجاوز أضعاف الربط المقدر، وتأتي في المرتبة الثالثة بعد الجمارك الجوازات في إيرادات العملة الأجنبية، بإسهمها في السياحة البيئية. وتضع ضوابط صارمة للصيد والقنص بحسب مواسم الصيد السياحي، ويقتصر الصيد على بعض أنواع الطيور "القمري والقطا".

سؤال العودة

واليوم، مع عودة الأسد واللبوة إلى الخرطوم بعد رحلة نزوح طويلة، لا تعود القصة إلى نقطة البداية، بل تفتح سؤالًا أكبر:

ماذا تفعل الحروب حين تطارد كل أشكال الحياة؟ وكيف تحوّلت الحيوانات البرية، رمز السيادة الطبيعية، إلى نازحين جدد في بلد يرزح تحت واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق