الحرب يشعلها المطر - رواية 3

لا أهتم كثيراً لسيرة الماظ كيداني الآن، فأنا مشغول ببطولاتي الزائفة أكثر والبحث عن شيء ما لست قادراً على تحديده.. منذ صغري يتراءى لي هذا الشيء ولا أستطيع الإمساك بتفاصيله. ما أعرفه جيداً أنني فاقد للبوصلة، ورغم هروبي من الخدمة الإلزامية وكان التجنيد الإجباري سبباً في اجتيازي الحدود، ها أنا الآن أحمل سلاحاً، بل وصرت قائداً مكلفاً كما خريجي الكليات العسكرية، ويجلس بجواري مجذوب الذي ارتاد الكلية العسكرية وتأهل في دورات خارجية وبلغ رتبة المقدم إلى أن أسرته قوات الجيش الشعبي قبل أكثر من عشر سنوات.

الصورة: غلاف الرواية - فيصل تاج السر

فارق السن والخبرة بيننا كبير لكن لا يمثل ذلك فارقاً بالنسبة لي فهنا الوضع مختلف كثيراً. منذ اليوم الأول الذي استقبلته فيه حين وصوله وشيء في داخلي يحثني باستمرار على احترام مجذوب والدفاع عنه عندما يدور همس أو تتعالى أصوات بعض القيادات والمقاتلين بأنه مجرد ضابط أسير اشترى حريته باسم الثورة.

عندما وطأت قدماي أرض المعسكر لأول مرة لم أشعر بالغربة التي تبعثها الأمكنة الجديدة ولا باختلاف المزاج وكأني عشت ونشأت في هذه الحالة من المغامرة المتصلة، على غير ما اعترى كثيرا من المقاتلين من أحاسيس متنازعة بين حالة الخلاص التي يتطلعون إليها والتي قادتهم إلى حمل السلاح ضد الحكومة، وكل منهم جاءها من وجهة مختلفة تدفعه أسبابه التي اجتمعت في النهاية إلى وجودهم معاً في درب واحد، وبين حالة من الخوف والقلق من تجربة قرروا خوضها لأول مرة. بعضهم أحس بالندم لمفارقة تلك الحياة بحلوها ومرّها قادماً إلى مصير مجهول، وقليل منهم اتخذ قراراً بالعودة فوراً أو خطط للهرب بعد حين. 

لكن منذ اللحظة التي تنطلق فيها العربة إلى معسكر التدريب تتفاعل رغبة الخلاص مع الخوف والقلق لتسيطر روح المغامرة عند الكثيرين، إلى أن يجدوا أنفسهم في واقع جديد لا يشبه حياتهم السابقة.. وكان من بينهم عسكريون سابقون قضوا بعض وقتهم في أجواء الحرب، خاضوها أو كانوا قريبين منها ومن طقوسها، اختاروا الانضمام إلى الكفاح المسلح، لكنهم الآن لا يختلفون عن الجميع في الإحساس باختلاف الأشياء عما كانت عليه.

لا علاقة للتخطيط والترتيب وتحديد الهدف بواقعي الآن، فالأمر كما قلت كانت له صلة مباشرة وظاهرة بالهروب من الخدمة الإلزامية والتجنيد الإجباري، لكنه أعمق من ذلك . فبعد الانقلاب العسكري واتساع رقعة الحرب في الجنوب وصلت أصوات المدافع إلى مناطق قريبة من المركز، بل وصلت فعلاً آثار تلك الحرب إلى المركز منذ سنوات عندما امتلأت أطراف العاصمة بالنازحين وفاضت بهم جنبات الشوارع. الحياة في العاصمة وفي كل المدن القريبة منها في اتجاه الجنوب تزداد جفافاً وقساوة وضيقاً وفقراً للقادمين الجدد، والجنود يقفون في كل الزوايا متربصين بالشباب لتجنيدهم إجبارياً للخدمة بالجيش وقذفهم في أتون تلك الحرب. 

حالة الطوارئ المعلنة كانت تسمح للجنود بكل شيء دون حدود. الشوارع مليئة بمركبات النقل التابعة للجيش وبمركبات استولوا عليها من أصحابها لسد النقص في بعض الأحيان، فلا أحد يجرؤ على أن يبدى اعتراضه أو يكشف عن تذمره. كانوا يأخذون كل من يجدونه في طريقهم دون تمييز، فيمكن أن تكون طالباً أو عاملاً أعزباً أو متزوجاً ينتظرك أبناؤك آخر النهار عائداً إليهم. حالة من الفوضى عمت الأرجاء الكل يريد الهرب منها.

كثير من المدن لا توجد بها ثكنات للجيش أصلاً في أقاصي الشمال أو ربما بعض النقاط المشتركة مع وحدات عسكرية أخرى لدواعٍ غير الحرب، لكن تلك المدن على الحدود الشرقية كانت مراكز كبيرة للجيش وبها حاميات تتوزع وحداتها على الحدود. رغم ذلك يبدو الأمر طبيعياً هنا، فالجيش موجود أصلاً لحراسة الحدود، خاصة وأن حرب التحرير الدائرة في الجانب الآخر والتوترات الحدودية التي تحدث من حين لآخر مع الحبشة كانت تستدعي هذا الوجود. فالمجندون في ثكناتهم يمارسون حياتهم الطبيعية في تلك النواحي البعيدة، ويجوبون الشوارع بلا أسلحة، ويرتادون الأسواق بلباسهم العسكري دون أن يعني ذلك شيئاً. بل كان أهل تلك البلاد يعيشون في المدينة وفي معسكرات اللاجئين معا، دون أن تغرس فيهم تلك الحرب ضغينة ما، ولم تمنعهم من ممارسة طقوس الحياة اليومية مع بعضهم.

لكن مع اشتداد أوار الحرب هناك في الجنوب وازدياد لهيبها، صار صوتها يقترب رويدا رويداً إلى مناطق أبعد؛ ما كان يظن أهلها أن لهم علاقة بها، إلى أن استيقظ سكان المدن على الحدود الشرقية يوماً ليجدوا مركبات العسكر المدججين بالسلاح تجوب الشوارع. الأقرب إلى الخيال كان حدوث انقلاب عسكري مضاد في العاصمة، أو أن هناك حدثا ما في الحدود استدعى ذلك، فكثيراً ما تتوتر الأوضاع في الحدود بسبب تداعيات حرب التحرير الدائرة هناك. لم يتبادر إلى ذهن أحدهم أن تكون حملات الخدمة الإلزامية في الجيش قد وصلت إلى هنا.

عاد أبي سريعاً إلى البيت بعد خروجه دقائق قليلة متجهاً إلى عمله مما أثار استغراب أمي، لكنه صاح في وجهها في اضطراب:

- أين آدم؟

- ما زال نائماً.

جاء إلى الصالون وكنت قد استيقظت من الضجة التي أحدثها والدي على غير العادة، وفي عيني بقايا نعاس، فقال لي بصوت يجمع بين الخوف والغضب والتذمر الذي لم يفارقه منذ عامين عندما قررت أن أكتفي بإكمالي المرحلة الثانوية وعدم الالتحاق بالجامعة:

- الجيش في كل مكان في المدينة، وعلمت أن هناك حملات للتجنيد الإجباري.. عدت لأحذرك من الخروج اليوم إلى أن ينجلي الموقف.

علاقتي بأبي كانت غريبة، كان يحبنا على طريقته.. كنت أفهم ذلك. ففي تلك القسوة التي دائماً ما يبديها في تعامله معي ألمح ذلك الحب الغريب. ربما كانت طريقته تلك جعلتني أسعى للتمرد عليه.. يدرك أن قرارى عدم الالتحاق بالجامعة هو تمرد عليه وعلى سلطته.

القصص والحكاوي التي يتداولها الناس عن التجنيد الإجباري جعلت من الخدمة الوطنية بعبعاً يخشاه الآباء قبل الأبناء، بل إن كثيرين تركوا مقاعد الدراسة الثانوية حتى لا يضطروا للجلوس لامتحان الجامعة خوفاً من التجنيد بعد انقضاء الامتحانات أو عند التقديم للالتحاق بالجامعة. العاملون في الدولة تستطيع الحكومة ضبطهم وتجنيدهم للحرب، ولكن جيش العاطلين والذين يمارسون أعمالاً هامشية من الذين لا تطالهم يدها كانت تلك طريقتها في محاصرتهم والتضييق عليهم.

"إنهم يخشون من الثورة الشعبية ضدهم، فالحياة أصبحت صعبة بالنسبة للكثيرين، العاملون رواتبهم لا تكفيهم لأكثر من أسبوع، والتجار كرهوا تجارتهم بعد أن حاربتهم في أرزاقهم بالجبايات والضرائب التي تفوق دخلهم". "تلك واحدة من أساليبهم لبث الرعب والخوف في الناس.. قطع الأرزاق واستمرار الحرب". "باسم الحرب يجيزون لأنفسهم فعل أي شيء، إنها المبرر لهم في البقاء لذلك لا بد أن تستمر، ولا بد أن يجدوا لها وقوداً، هم أنتم". كثيراً ما كان يدور الحديث همساً في السابق، بعد أن صار الأخ يخشى أخاه وهما في بيت واحد، لكن الأحاديث انتشرت هنا وهناك داخل المدينة بصوت أعلى، بعد انطلاق حملة التجنيد الإجباري، منذ اليوم الأول مما خلق حالة من الذعر وسط السكان.

استيقظت يملؤني إحساس بالضيق، وكان في نيتي السفر لزيارة أخوالي، هذا اليوم، ومن هناك أنطلق إلى المشاريع الزراعية القريبة. كنت قد اتفقت مع صديقي ورفيق دراستي سعد قبل أسبوع على هذا الأمر، دون أن نطلع أحداً على ذلك، نغادر وكأننا في طريقنا للقضارف. شجعني جارنا النور على السفر والعمل هناك، واكتشاف عوالم جديدة، بدلاً من الجلوس في أزقة الحي، يقول ذلك رغم شكواه المتواصلة منذ سنوات الانقلاب العسكري الأولى من تراجع الزراعة وإهمالها، وخسائر مشروعه الواقع شرق سيتيت. اتفقت معه على السفر دون أن يخبر أحداً من الأهل بذلك.

"ليس هناك ما يشجع على العيش في المدينة بعد أن طال بقاء الجراد طويلاً، وإن كنا عاجزين عن فعل أي شيء لنعيش حياة أفضل في كل المواسم، لنبحث عن شيء مختلف ونفكر بطريقة أخرى". كانت تلك خلاصة ما اتفقنا عليه أنا وسعد بعد حوار ونقاش طويل ونحن نقلب دفاتر أيامنا الفائتة.

لم أنتظر يوماً آخر، بل ذهبت في ذاك المساء، وقد تراجعت وتيرة الحركة في الشوارع، إلى منزل أسرة سعد الواقع في أطراف الحي على خاصرة الجبل. لم يكن هناك ما يلفت الانتباه سوى الهدوء المخيم على المدينة وكأنها في انتظار عاصفة تأتيها بغتة من حيث لا تحتسب. لكن لا شيء .. سارت الأمور على طبيعتها إلى أن شارفت على الوصول، لأجد صديقي جالسا أمام بوابة المنزل كعادته ودون أن يحرك ساكناً، قال لي وهو يستقبلني في برود:

- شيء متوقع طبعاً، النحس يلازمنا حتى عندما فكرنا في الذهاب للعمل في المشاريع الزراعية.

قلت له مطمئناً:

- سنسافر غداً مع جارنا النور، هو يستطيع أن يخرجنا من المدينة دون أي مشكلة، لديه بطاقة عسكرية يستطيع المرور بها إلى أي منطقة.

وتابعت:

- عليك أن ترتب حالك الآن لأنك ستقضي الليلة معي والفجر سنغادر.

لم يبد عليه الحماس السابق وتراجعت الفكرة إلى مؤخرة رأسه، بل تكاد تكون تلاشت تماماً، عندما قال لي بأنه قرر البقاء في المدينة:

- وليحدث ما يحدث.. وأقول لك صراحة أنا فكرت في السفر إلى مصر ومن هناك سأطلب اللجوء إلى أي دولة في أوروبا.

استنكرت حديثه بادئ الأمر، ثم تركته ومضيت، مشدداً عليه بأن يظل أمر سفري هذا طي الكتمان، كنت أعلم أن أول من ستتجه إليه الأنظار للسؤال عني هو سعد.

كثيرون كانوا يغادرون في كل الاتجاهات هرباً من الحرب، ومن الواقع الغريب الذي وجدوا أنفسهم في عمق وحله ولا شيء يلوح في الأفق، بل يستيقظون على ما هو أسوأ وأكثر إحباطاً. أما أنا فلا يهمني الأمر في شيء، كل ما أرغب فيه الآن أن أبتعد عن والدي، ووجهه الذي بالكاد يطيق رؤيتي، وأبحث عن شيء لا أدري ما هو.

صباح اليوم التالي، قبل أن يرفع قرنا الشيطان قرص الشمس كانت جالساً بجوار النور. وضعت حقيبتي الصغيرة التي تحوي بضع ملابس وكتابا، وأنا مملوء بشغف يلفه توق غريب إلى تلك النواحي التي بدت لي غامضة وساحرة وفيها روح جاذبة لا أدرك كنهها، وذاكرتي المختزنة لحكاوي الطفولة تزيد من انفعالاتي ورغبتي في استكشاف عوالم لطالما راودتني ملامحها في يقظتي. وكثيراً ما بللت ملابسي الداخلية وأنا في غمرة استغراقي في النوم بعد أن تجاوزت مرحلة الحلم. سأقتحم تلك العوالم دون شك بعد إمساكي بتضاريسها واكتشاف دروبها أمكنتها وأزمنتها، يقولون إن الزمن هناك هو السر، لا يشبه زماننا ولا توقيتنا، ثلاثة عشر شهراً من الشمس المشرقة.. زمن يحتاج لضبط من نوع آخر لاكتشاف تلك العوالم.

جدي لأمي كان حاضراً في كل خطواتي، منذ أن غادرت المدينة، مثلما كانت فاطمة حاضرة تلعب، واستعادة حكاويها بشغاف نفسي الهوائية. وكلاهما غابا عن حياتي، فجدي فارق الدنيا بعد أن ملأ مساحات واسعة من خيالي بسيرته بين الهضبة والمنخفضات، وفاطمة التي غادرت منزلنا وهي بنت عشرين، لتعد نفسها للزواج من ابن عمها، قبل أن أبلغ أنا الحلم بعد، وأعرف تفاصيل عن عالم خاص اسمه المرأة.

أكثر لحظات سعادة طفولتي تلك التي يجتمع فيها الاثنان وأنا حضور بينهما، عندما يصل جدي من السفر، قادماً من مدينة القضارف، في زيارته النصف سنوية المعتادة لابنته، وتكون فاطمة في خدمته، محلقة بجناحي سعادة أثناء الأيام القليلة التي يقضيها ثم يغادر راجعاً لدياره وتجارته. 

جاء جدي يوما في إحدى زياراته مصطحباً فاطمة ممسكاً بيدها ويحمل عنها حقيبتها الصغيرة باليد الأخرى. وصى بها أبي كثيراً وأن يهتم بها كواحدة من بناته وكانت لا تزال بنت ست عشرة سنة. أضفت فاطمة على حياتي بدخولها الأسطوري ذاك طعماً مختلفاً لطفولتي، لم أسأل من هي ولا من أين جاءت. لكن الأمر كان مختلفاً عند الآخرين، إذ كانت العلاقة بينها وبين جدي غريبة لدرجة أن أثارت تساؤلات وتكهنات وسط رجال ونساء الأسرة خاصة أشقاء أبي وإخوة أمي غير الأشقاء، بعضهم كان يراها ابنته من امرأة تزوجها سراً أثناء جولاته القديمة العابرة للحدود. لم يشف جدي غليل حب الاستطلاع لديهم قط، وإنما كان يكتفي بالقول إنها ابنة أحد أصدقائه من مدينة أغردات في بلاد الحبشة قتل أثناء المعارك في حرب التحرير. وإلى أن مات جدي وغادرت فاطمة بعد سنوات إلى منزل زوجها، لا أحد يعلم السر الذي جمعهما.

اكتمال القمر في مثل هذه الحالات، يعني اكتساب الزيارة طعماً خاصاً لي، وما أن ينتهي أذان المغرب والشفق الذي سرعان ما يتلاشى مفسحاً المجال لذلك الضوء الفضي للانتشار، تكون فاطمة انهت إعداد فراش الجد في زاوية خاصة على الناصية التي يفضلها على مسافة من حركة الآخرين. ومع رشفات شاي الحليب تبدأ الحكاوي الغريبة، وأنا جالس القرفصاء اتنقل بنظراتي وتتحرك أذناي بين الاثنين.

كانوا يطلقون عليه اسم الأرباب، الذي طغى على اسمه حتى بين أفراد العائلة والأهل، في أوساط التجار منذ الأربعينيات حين كانوا يتاجرون في كل شيء وهم يتنقلون بين المدن ويعبرون الحدود مخترقين المنخفضات إلى أعلى الهضبة في الحبشة فيصلون إلى أغردات وكرن وأحيانا إلى أسمرا، ويتجهون مرات إلى نواحي المتمة إلى أن يصلوا إلى قندر أقصى مناطق غرب الحبشة التي يبلغونها بشق الأنفس لوعورة الطريق.

كان في غمرة الحرب العالمية الثانية يخاطر بالسفر عابراً الحدود، فللذهب بريق مغرٍ لا يقاوم. يخفي بين ثنايا ثيابه الجنيهات الذهبية، عن أعين العسكر هنا وهناك عند نقاط التفتيش على جانبي الحدود. إلى أن جاء يوم، كانت فيه قوات موسيليني تتراجع بعد الهزائم المتلاحقة التي منيت بها من جيش الحلفاء. لم يكن له علاقة بالعسكر ولا العسكرية، لكنه كان يجيد التحدث باللغة الإنجليزية، وهو الذي يرتدي دائماً ذلك الزي البلدي ولا يوحي بأنه يمكن أن يجيدها، وعندما حاول مجادلة الضابط الإيطالي بها للخروج من ورطته، اعتبرها استفزازاً يخدش جدران هويته، فكيف لهذا الأسود أن يخاطبه بلغة الأعداء وفي ذروة الحرب. تلك كانت المشكلة، في ذلك الطقس المشحون بالهزيمة، وهو يحاول اجتياز آخر نقاط التفتيش عند مشارف مدينة أغردات. تغير كل شيء بالنسبة إلى الأرباب، اتهموه بأنه جاسوس للجيش الإنجليزي رغم أنهم كانوا يعرفونه، فلا فرق بالنسبة له بين الجلوس والسمر معهم في حانات المدينة عندما يزورها وبين عبوره لنقاط التفتيش التي يتحكم في مداخلها ومخارجها الإنجليز وحلفاؤهم في مناطق سيطرتهم. ففي ظل أجواء الحرب والهزيمة تختلط الأوراق ولكل طقس قوانينه، ففي مقدمة قوات الحلفاء كانت طلائع السودانيين هي التي تطارد فلول جيش موسيليني الهارب إلى المرتفعات، بعد أن شارفت مقدمتهم الوصول إلى الجبل الفاصل للحدود وكادوا يستولون على عمق مدينتنا الرئيسية. 

أكثر من عام قضاه جدي داخل سجن مدينة أغردات، بسبب تهمة التجسس إلى أن وصل الحلفاء إليها عابرين إلى أعلى الهضبة، فأطلقوا سراحه مع آخرين كان يعتقلهم الجيش الإيطالي. عندها فقط استنشق رائحة الحرية. لملم أطرافه سريعاً في زيارات خاطفة لعملائه من التجار في بعض المدن القريبة، وعاد ليستقر في مدينة القضارف ليس بعيداً عن تلك الأجواء التي لطالما عاشها طولاً وعرضاً، فالمدينة على مرمى حجر من الحدود. كان يروي حكاويه تلك فتنقلني إلى عوالم أخرى مثيرة داخلي شغف المغامرة والخيال. كنت مزهواً بامتلاكي نواصي حكايات لا يسمعها الأطفال في سني، وكلما أزدت عمراً كبرت معي حكايات جدي.

هكذا اجتازت بنا العربة، وأنا جالس بجوار النور، آخر حواجز التفتيش قبل أن تنحرف إلى الطريق الترابي متجهة نحو الشرق. ويتراءى لي جدي كلما نقف عند نقطة من تلك النقاط التي ازدادت فيها أعداد العسكر على غير العادة، يتفرسون في وجوه العابرين ويفحصون الأوراق الثبوتية. كان النور وبطاقته العسكرية هي مصدر طمأنينة بالنسبة لي خاصة عندما توقفنا في الحاجز الأمني الأول، فمد إليهم بطاقته التي تمعن فيها الجندي قبل أن يناولها إلى من هو أعلى منه رتبة. اقترب أكثر من العربة ثم رفع يده بالتحية العسكرية للنور وهو يبتسم. الآن شعرت بأهميتي وكأنما هذه البطاقة تخصني وأنا من يحملها، دون أن أكترث لما سيحدث لاحقاً إلى أن نصل إلى مشروع النور الزراعي على الحدود.

آخر السحب كانت تجرجر أذيالها في اتجاه الغرب بعد انتهاء موسم المطر كعادته مع بدايات شهر أكتوبر، عندما شارفت رحلتنا الوصول إلى قرية حمداييت الحدودية بعد مرور ثلاث ساعات منذ مغادرتنا الطريق الأسفلتي. لا تزال آثار الوحل تعيق حركة المركبات، واللون الأخضر يملأ الأفق قبل أن يستحيل إلى جفاف بعد أسابيع قليلة إلى حين موسم جديد للمطر. المشهد الآن يبعث على الراحة، الروح تنطلق من عقالها بعد أن كانت حبيسة كآبة المدينة. الرعاة مفعمون بالحياة في جيئتهم وذهابهم خلف ماشيتهم وأغنامهم.

تنفست عميقاً قبل أن أطلق زفرة حارة ظلت عالقة في صدري زمناً طويلاً. الفضاء مشرع أمامي بلا بوابات أو أسوار، وأنا مستغرق في التحديق نحو خط الأفق دون النفاذ إلى ما وراء ذلك. أحياناً تقطع حبل أفكاري تلك الغابات الشوكية الممتدة على طول الحدود، أو يصطدم بصري بالسلسلة الجبلية الممتدة هناك، لكن سرعان ما يعود خط الأفق في مرمى البصر. ابتسم النور مستفزاً صمتي، واقترح أن نتناول وجبة الفطور في حمداييت قبل أن ننطلق إلى مشروعه الزراعي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق