نيرانها تشعل الإقليم.. الطائرات المسيرة تعود إلى سماء العاصمة السودانية

 أمير بابكر عبد الله

بدا للمراقبين أن "كل شيء هاديء على الجبهة الشرقية"، قبل أن تعود سماء العاصمة السودانية الخرطوم، من جديد، مسرحاً يتجاوز هذه المرة الصراع المسلح بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني، إلى اتهامات متبادلة بين السودان وأثيوبيا وبينهما مصر.

ما حدث نهار أمس، حينما تجاوزت الطائرات المسيرة الاستراتيجية أجهزة الرصد والمتابعة لتصل إلى قلب المدينة إلى أن اعترضتها الدفاعات الجوية عند اقترابها من المطار، أربك المشهد الداخلي والأممي بشكل أكبر مما اضطر المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، أن يقول في المؤتمر الصحفي اليومي إن استهداف مطار الخرطوم أدى إلى إلغاء الرحلات الجوية.

قبل أن تنجلي سحابة دخان الضربات الجوية عن السماء، اشتعلت حرب التصريحات الرسمية والتي ابتدرتها حكومة الخرطوم بمؤتمر صحفي شارك فيه وزير الخارجية والتعاون الدولي، محي الدين سالم إلى جانب وزير الثقافة والإعلام والناطق الرسمي باسم القوات المسلحة السودانية، والتي اتهمت دولتي أثيوبيا والإمارات العربية المتحدة بالضلوع في الهجوم على مطار الخرطوم، واعتبرته امتداد لسلسلة من الهجمات بواسطة مسيرات إماراتية استهدفت مناطق عديدة في السودان خلال الفترة الماضية، ونقطة انطلاقها مطار مدينة بحر دار الأثيوبية.

بدورها ردت الحكومة الأثيوبية بشكل فوري على اتهامات الخرطوم وقالت إنها لا أساس لها من الصحة، مؤكدة على العلاقات التاريخية التي تربط شعبي السودان وأثيوبيا. لم تكتف بذلك إنما اتهمت الخرطوم بارتكاب انتهاكات جسيمة طالت أراضيها ارتكبها ما أسمته " بعض المتحاربين" في الحرب الأهلية السودانية، وأشارت في ردها على الخرطوم إلى استخدام مقاتلي جبهة تحرير شعب تيقراي، المناوئة للحكومة الفدرالية الأثيوبية، في الحرب الداخلية، وأن السودان أصبح مركزاً لقوى مختلفة معادية لأثيوبيا. واتهمت الحكومة الأثيوبية أطراف خارجية تسعى إلى تحقيق أجندتها الخاصة بأنها تقف وراء اتهامات الخرطوم لها.

وفي تطور يزيد من اشتعال الأزمة ويخرجها من حدودها الداخلية، أدانت مصر استهداف مطار الخرطوم الدولي بالمسيرات، واعتبرته انتهاكاً للسيادة الوطنية للسودان، معربة عن قلقها من انطلاقها من أراضي إحدى دول الجوار.

ما الذي حدث صباح الاثنين؟

لم يمض يومان على تصريح رئيس وزراء حكومة "الأمل"، د. كامل إدريس، بأن الخرطوم آمنة ومستقرة، الذي يبدو أن اقتبسه من عنوان الرواية الشهيرة "كل شيء هاديء على الجبهة الغربية" للكاتب الألماني إيريك ريمارك، حتى فوجيء المواطنون بتصاعد أعمدة الدخان في محيط المطار الرئيسي في الجانب الشرقي للمدنية.

تصريحات السيد رئيس الوزراء المطمئنة، على الرغم من عودة المسيرات للتحليق في أطراف العاصمة، لها ما يبررها. فقد شهدت العاصمة فترة من الهدوء الملحوظ، بعد المعارك الضارية التي جرت في مختلف أنحائها براً وجواً، منذ إعلان الجيش السوداني أنها خالية من قوات الدعم السريع في مايو العام الماضي عقب الانسحاب الكبير لتلك القوات واتجاهها غرباً.

هذا الهدوء خلال الشهور الماضية كانت له آثاره المباشرة على اتخاذ أعداد مقدرة من النازحين واللاجئين لقرار العودة إلى مساكنهم في الخرطوم والمناطق المحيطة بها، خاصة ولايتي الجزيرة وسنار. وكانت الرسالة الأقوى أن تقرر وكالات الأمم المتحدة العودة إلى ممارسة أعمالها وأنشطتها من مكاتبها في الخرطوم، حتى قبل أن تستكمل العديد من وزارات الدولة ترتيبات عودتها إلى مقارها الرئيسية بالخرطوم بعد أن لجأت لمباشرة مهامها خلال الثلاث سنوات من العاصمة المؤقتة، بورتسودان شرقي البلاد.

على الرغم من استمرار استخدام الطيران المسير كسلاح ضمن أسلحة القتال من قبل الطرفين في مناطق كردفان ودارفور، وكذلك استهداف الأطراف لمواقع في النيل الأزرق النيل الأبيض في سياق التطورات العملياتية اليومية، إلا أن العاصمة شهدت ذلك الهدوء الغير معلن عن طبيعته. ولكن ما بدا وكأنه اتفاق بين الأطراف المتحاربة، وبضغط دولي، على تحييد العمل العسكري في العاصمة خلال الشهور الماضية نسفته تحليق الطائرات المسيرة واستهدافها لمنطقتين بأطراف المدينة خلال الأسبوع الماضي.

في العملية الأولى استهدفت مسيرات انتحارية تابعة لقوات الدعم السريع منطقة جبل أولياء جنوبي الخرطوم، وتسببت في إصابة مركبة عسكرية دون أن ترد إصابات وسط المدنيين. وفي الثانية استهدفت المسيرات منطقة صالحة جنوب امدرمان، إحدى مدن العاصمة الثلاث، وتسببت في إصابه عربة مدنية ومقتل خمسة أشخاص على متنها.

في رصد لاستخدام الطيران المسير منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، لم تكن الطائرات المسيرة سلاحاً رئيسياً في جبهات المعارك المختلفة. فطوال عام 2023 كان القتال بين الطرفين يعتمد على الاشتباكات البرية والقصف المدفعي والضربات الجوية التقليدية، والأخيرة كانت تحت سيطرة الجيش السودان دوناً عن قوات الدعم السريع.

العام 2024 شهد استخدام الطائرات المسيرة كسلاح قتالي، ولكن بصفة عامة خارج نطاق العمليات في العاصمة القومية، إذ تم استخدامه في ولايات دارفور وكردفان، بينما شهدت الخرطوم ضربات محدودة استخدم فيها الطيران المسير ولم يكن وقتها سلاحاً حاسماً.

التطور الأبرز في استخدام الطيران المسير، كسلاح فعال في العمليات في الخرطوم، بدأ في العام 2025، وكانت أهم رسائل استخدامه نفسية أكثر منها ضربات مؤثرة على عظم القوات المتقاتلة. شهد شهر مايو من نفس العام، عقب انسحاب قوات الدعم السريع من العاصمة، بداية التصعيد باستخدام هذا السلاح والذي استهدف النية التحتية في المدينة من محطات كهرباء ومنشآت حيوية مما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي والمياه.

في سبتمبر من العام نفسه، استهدفت قوات الدعم السريع بعض المواقع العسكرية. لكن التطور الأكبر شهده شهر أكتوبر عندما استهدفت المسيرات المطار الدولي للسودان، مما أدى إلى تأجيل افتتاحه أكثر من مرة. ومن ثم شهدت الشهور التالية هدوءاً ملحوظاً في الخرطوم في مقابل تصعيد متواتر في جبهات القتال الأخرى.

لذلك يعد ما جرى ظهر الاثنين الرابع من مايو، التحول الأبرز على صعيد العمليات العسكرية، إذ استهدفت الطائرات الانتحارية المسيرة هذه المرة عمق العاصمة ومركز عصبها المتمثل في مطار الخرطوم. فبعد أن عادت الحركة إلى المطار بعد غياب ثلاث سنوات ونيف، وبدأت الروح تعود إلى مدرجاته، بل وشهد أول رحلة طيران لشركة تجارية من الخرطوم مباشرة إلى القاهرة في أول رحلة من نوعها بعد أن كانت الرحلات الجوية الخارجية تحط رحالها في مدينة بروتسودان أولا.

هذه الخطوة تحتمل قراءتها وفقاً لمجريات الأحداث من زاويتين، فهي بالضرورة ستعيد العاصمة مرة أخرى إلى العزلة الدولية وتثير المخاوف لدى النازحين واللاجئين والمستثمرين من العودة. الزاوية الأولى ربما تجيء في إطار مزيد الضغوط على حكومة البرهان من أجل الوصول إلى تسوية سياسية في أقرب وقت، خاصة بعد التطورات الأخيرة في صفوف قوات الدعم السريع وانسلاخ قيادات مهمة ومؤثرة منها. أما الثانية فتقول أن الحرب ما زالت مستمرة وأن لا مناطق ولا أحد آمن في السودان طالما يمكن أن يد الطائرات المسيرة الاستراتيجية قادرة على أن تطول أي مكان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق